Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Página 98

‫دراسات‬ ‫استعادة املاضي خلدمة احلاضر‬ ‫يف دين الله أذلوه”. يتابع القايض أنه بعد ذلك: “قيل لهشام: قطعت يدي غيالن ورجليه، وأطلقت لسانه، فقد بىك‬ ‫الناس حوله، ونبههم عىل ما كانوا غافلني عنه”. ثم يضيف أن هشام أرسل فقطع لسانه. يف هذا الجزء بالتحديد‬ ‫يظهر الربط املبارش بني الواقع الذي كان يعيش فيه عبد الجبار وما أراد تصويره عن حياة غيالن الدمشقي، فتتم‬ ‫هنا اإلشارة إىل الدور الذي قام به غيالن من تنبيه الناس وتوعيتهم ومل يكن مبقدور أحد أن مينع غيالن من أداء‬ ‫دوره إال بقطع لسانه ومنعه من الكالم. وهنا ال ميكن أبدا ً تجنب األخذ باالعتبار ذلك الواقع الذي كان عبد الجبار‬ ‫يلعب فيه دور القايض والفيلسوف.‬ ‫غيالن ا لدمشقي كما صوره ابن عساكر (ت. 5711)‬ ‫يعد أبو القاسم ابن عساكر الدمشقي من أهم املؤرخني الذين كتبوا عن تاريخ مدينة دمشق، فإىل جانب كونه‬ ‫إماماً وعالمة فإن عمله ‘تاريخ مدينة دمشق’ يعد من أهم املصادر التاريخية عن دمشق وسوريا بشكل عام يف‬ ‫الفرتة حتى القرن الثاين عرش امليالدي. باملقارنة مع القايض عبد الجبار والعالقة التي كانت تربطه بأمري خوارزم‬ ‫فإن ابن عساكر أيضا كان يحتل مكانة رفيعة يف دمشق، وكانت تربطه عالقة قوية مع امللك نور الدين زنيك الذي‬ ‫توىل بنفسه مهمة رعاية هذا الكتاب الذي قام ابن عساكر بإعداده (1002 ,‪.)Lindsay‬‬ ‫قبل الخوض يف ما قدمه ابن عساكر عن غيالن الدمشقي ال بد من تسليط الضوء عىل الواقع الذي كان‬ ‫موجودا ً يف سوريا خالل القرن الثاين عرش عندما قام ابن عساكر بتأليف ‘تاريخ مدينة دمشق’.‬ ‫خالل القرنني الحادي عرش والثاين عرش كانت بالد الشام تشهد الكثري من النزاعات، وكان النفوذ يتوزع بني‬ ‫عدة أطراف، ففي بداية القرن الثاين عرش بالتحديد سيطر نور الدين زنيك عىل حلب بينام كانت دمشق بيد أرسة‬ ‫البوريني، وكان النفوذ الصليبي موجودا ً يف مدن ومناطق مجاورة. كام كانت الدولة الفاطمية تشكل خطرا ً عىل‬ ‫استقرار هؤالء األطراف. متكن نور الدين زنيك سنة 4511 من دخول دمشق وبدأ بضم املدن األخرى ململكته حتى‬ ‫شهدت أوج قوتها مع تويل صالح الدين للحكم وسيطرته فيام بعد عىل القدس ومن ثم مرص. يف الفرتة ما بني‬ ‫4511 و4711 حكم نور الدين زنيك بالد الشام واتخذ من دمشق عاصمة له، كام أن جهوده العسكرية لتوحيد‬ ‫هذه املنطقة قد ترافقت مع فرض املذهب السني، ومحاوالته لقمع املناوئني له سياسياً أو دينياً ومن بينهم أتباع‬ ‫بعض املذاهب الشيعية (5991 ,‪ .)The Encuclopedia of Islam‬ففي هذه الظروف قام ابن عساكر بتأليف‬ ‫‘تاريخ مدينة دمشق’ إىل أن أتم عمله عام 4711.‬ ‫يتناول ابن عساكر يف كتابه ‘تاريخ مدينة دمشق’ أهم الشخصيات اإلسالمية التي ارتبطت يف شكلٍ أو بآخر‬ ‫مبدينة دمشق أو مبنطقة بالد الشام عموماً، حيث يتناول كل شخصية مبفردها ويربز بعض الجوانب التي متيزت‬ ‫بها. ومن الجدير باالنتباه أنه يتناول بعض الخلفاء والصحابة والعلامء إال أن تناوله لحالة غيالن الدمشقي تثري‬ ‫االهتامم بشكل خاص ألن غيالن مل يظهر هنا كشخصية دينية أو سياسية ذات شأن رفيع بل عىل العكس متاماً.‬ ‫يبدأ ابن عساكر الحديث عن غيالن الدمشقي بذكر بعض املقوالت من سبيل “وغيالن هذا هو الذي يعرف‬ ‫بغيالن القدري، ويروى عن النبي صىل الله عليه وسلم يف ذمه”، كام يتابع فيذكر عدة نسخ من حديث نبوي‬ ‫ينقل عن الرسول قوله: “يكون يف أمتي رجالن أحدهام: وهب يهب الله له الحكمة، واآلخر غيالن فتنته عىل هذه‬ ‫األمة أشد من فتنة الشيطان”، ويضيف حديثاً آخر يقول فيه الرسول: “يكون يف أمتي رجل يقال له غيالن، هو أرض‬ ‫عىل أمتي من إبليس”. ال يقوم ابن عساكر مبناقشة صحة هذه األحاديث بل يضيف أن أحدا ً قال لغيالن: “ويحك‬ ‫يا غيالن، أمل أجدك يف شبيبتك ترامي النساء بالتفاح يف شهر رمضان؟ ثم رصت حارثياً تخدم امرأة تزعم أنها أم‬ ‫89‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬