املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
طيلة سنوات سجنهم، حيث كان السجن بالنسبة لهم مبثابة مطهر دفعهم دفعا للخروج من منط املثقف
األيديولوجي النقدي الذي يقارع السلطة من موقع أيديولوجي بعد أن خرج من رشانق وأوهام كثرية لصالح
العودة إىل الواقع إمنا برضوض كثرية، ولعل أبرز من ميكن أن يعطي ضوءا ً عىل هذا األمر ويكون مثاالً عليه بذات
الوقت، هو الكاتب ياسني الحاج صالح، إذ يقول: “كنت عضوا يف اللجنة املركزية للحزب الشيوعي السوري ـ
املكتب السيايس يف جامعة حلب، أي واحدا ً من بني مجموعة يف قيادة العمل الحزيب الطاليب ... بعد شهور من
االعتقال أمكنني أن أقول يف أحد نقاشاتنا: إين ال أتصور نفيس خارج الحزب! كلمة ‘الحزب’ هنا مشحونة بعاطفة
ّ
غامرة، ال ميكن ملن حرم منها إال أن يكون يتيامً أعتقد اليوم أن هذا مروع. من ال يتصور نفسه خارج ‘الحزب’
ّ
ّ
فسيبقى تابعاً بال نهاية ... يف السجن، شيئاً فشيئاً، تبدلت عالقتي مع الحزب إىل يشء أكرث دستورية. رصت أتصور
ّ
نفيس خارجه ... بعد سنوات السجن استقر يب األمر عىل الهامش: أختنق يف الداخل، وال أريد أن أكون بعيدا ً يف
الخارج. محيط الدائرة هو مكاين املناسب ... كانت الكتابة قد أضحت انشغايل املركزي، وصيغة تدخيل املفضلة
يف الشأن العام”(3((.
ولنا أن نالحظ أن أغلب مثقفي سوريا اليوم، هم ‘خريجو معتقالت’ أو ما ميكن أن نطلق عليهم ‘الجئي
الثقافة’ بعد أن خذلتهم السياسة، وليلتقي هذا املثقف املتكون من رحم تجربة السجن مع شطره اآلخر املثقف
ّ
النقدي املنغلق يف غيتو اختصاصه جزئياً، حيث شكلت لحظة ربيع دمشق لحظة تالقٍ بني هذين النموذجني
الذين سيولد منهام من اآلن وصاعدا ً ‘املثقف النقدي العضوي’ املتحرر من أرس األيديولوجيا وغيتو االختصاص
نحو االهتامم أكرث بالشأن العام مع إبقاء مسافة واضحة بني هذا املثقف والسلطة لن يتخطاها إال قلة منهم،
أي أن املثقفني الخارجني من السجن ولدوا من رحم هزمية النضال السيايس بوجه الدكتاتورية، يف حني ولد
املثقف النقدي املختص من رحم هزمية املشاريع األيديولوجية التي آمنوا بها، ليبقى كل طرف يعاين من آثار
هزميته، حيث سينعكس الغياب الذي قضاه هؤالء املثقفون يف السجون يف فكرهم، عىل شكل ابتعاد قرسي عن
الواقع وعدم القدرة عىل التقاط التغريات التي أصابت املجتمع السوري، وبالتايل سيبقى فكرهم ‘غريباً’ أحيانا
و‘شعاراتياً’ أحيانا و‘ثأرياً’ يف أحيان، فهو من جهة شجاع جدا ً يف مواجهة الدكتاتورية وجهاً لوجه، وعاجز عن فهم
ٌ
ٌ
ممكنات الواقع واحتامالته من جهة ثانية، يف حني ستبقى آثار املرحلة األيديولوجية ظاهرة يف فكر النوع الثاين،
خاصة يف طريقة التعامل مع الدميقراطية.
ولكن من متازج الطرفني بعد ربيع دمشق عىل األقل سيولد املثقف النقدي العضوي، املقرتب من الواقع
أكرث واملفكّر بسوريا أكرث، حيث ستبدأ سوريا وهمومها تحرض كدولة وطنية بعد أن كانت الوحدة والقومية
واألممية وفلسطني تحتالن ذهن هذا املثقف، الذي عاد لينخرط بالشأن العام أكرث ويوقع العرائض ويشكل
منظامت حقوق إنسان ويقرتح بدائل بشأن نظام الحكم وسبل تغيريه داعياً لعقد اجتامعي جديد بني املثقف
والسلطة، حيث بدأت تظهر يف الحياة السياسية الفقرية واملعزولة عن املجتمع عموماً تعابري من نوع ‘املجتمع
املدين’ و‘التداول السلمي للسلطة’ و‘إلغاء قانون الطوارئ’ و‘إلغاء الحزب الواحد’... و لكن بالتأكيد مل يكن بني
مفرادتهم ‘الثورة’ التي تم تطليقها نهائياً لكرثة ما ابتذلت يف طيلة العقود الفاصلة بني الخمسينيات والثامنينيات،
وهو ما دفع بشارة للقول: “ما يهمني هنا هو أ