Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 91

‫املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا‬ ‫طيلة سنوات سجنهم، حيث كان السجن بالنسبة لهم مبثابة مطهر دفعهم دفعا للخروج من منط املثقف‬ ‫األيديولوجي النقدي الذي يقارع السلطة من موقع أيديولوجي بعد أن خرج من رشانق وأوهام كثرية لصالح‬ ‫العودة إىل الواقع إمنا برضوض كثرية، ولعل أبرز من ميكن أن يعطي ضوءا ً عىل هذا األمر ويكون مثاالً عليه بذات‬ ‫الوقت، هو الكاتب ياسني الحاج صالح، إذ يقول: “كنت عضوا يف اللجنة املركزية للحزب الشيوعي السوري ـ‬ ‫املكتب السيايس يف جامعة حلب، أي واحدا ً من بني مجموعة يف قيادة العمل الحزيب الطاليب ... بعد شهور من‬ ‫االعتقال أمكنني أن أقول يف أحد نقاشاتنا: إين ال أتصور نفيس خارج الحزب! كلمة ‘الحزب’ هنا مشحونة بعاطفة‬ ‫ّ‬ ‫غامرة، ال ميكن ملن حرم منها إال أن يكون يتيامً أعتقد اليوم أن هذا مروع. من ال يتصور نفسه خارج ‘الحزب’‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫فسيبقى تابعاً بال نهاية ... يف السجن، شيئاً فشيئاً، تبدلت عالقتي مع الحزب إىل يشء أكرث دستورية. رصت أتصور‬ ‫ّ‬ ‫نفيس خارجه ... بعد سنوات السجن استقر يب األمر عىل الهامش: أختنق يف الداخل، وال أريد أن أكون بعيدا ً يف‬ ‫الخارج. محيط الدائرة هو مكاين املناسب ... كانت الكتابة قد أضحت انشغايل املركزي، وصيغة تدخيل املفضلة‬ ‫يف الشأن العام”(3((.‬ ‫ولنا أن نالحظ أن أغلب مثقفي سوريا اليوم، هم ‘خريجو معتقالت’ أو ما ميكن أن نطلق عليهم ‘الجئي‬ ‫الثقافة’ بعد أن خذلتهم السياسة، وليلتقي هذا املثقف املتكون من رحم تجربة السجن مع شطره اآلخر املثقف‬ ‫ّ‬ ‫النقدي املنغلق يف غيتو اختصاصه جزئياً، حيث شكلت لحظة ربيع دمشق لحظة تالقٍ بني هذين النموذجني‬ ‫الذين سيولد منهام من اآلن وصاعدا ً ‘املثقف النقدي العضوي’ املتحرر من أرس األيديولوجيا وغيتو االختصاص‬ ‫نحو االهتامم أكرث بالشأن العام مع إبقاء مسافة واضحة بني هذا املثقف والسلطة لن يتخطاها إال قلة منهم،‬ ‫أي أن املثقفني الخارجني من السجن ولدوا من رحم هزمية النضال السيايس بوجه الدكتاتورية، يف حني ولد‬ ‫املثقف النقدي املختص من رحم هزمية املشاريع األيديولوجية التي آمنوا بها، ليبقى كل طرف يعاين من آثار‬ ‫هزميته، حيث سينعكس الغياب الذي قضاه هؤالء املثقفون يف السجون يف فكرهم، عىل شكل ابتعاد قرسي عن‬ ‫الواقع وعدم القدرة عىل التقاط التغريات التي أصابت املجتمع السوري، وبالتايل سيبقى فكرهم ‘غريباً’ أحيانا‬ ‫و‘شعاراتياً’ أحيانا و‘ثأرياً’ يف أحيان، فهو من جهة شجاع جدا ً يف مواجهة الدكتاتورية وجهاً لوجه، وعاجز عن فهم‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫ممكنات الواقع واحتامالته من جهة ثانية، يف حني ستبقى آثار املرحلة األيديولوجية ظاهرة يف فكر النوع الثاين،‬ ‫خاصة يف طريقة التعامل مع الدميقراطية.‬ ‫ولكن من متازج الطرفني بعد ربيع دمشق عىل األقل سيولد املثقف النقدي العضوي، املقرتب من الواقع‬ ‫أكرث واملفكّر بسوريا أكرث، حيث ستبدأ سوريا وهمومها تحرض كدولة وطنية بعد أن كانت الوحدة والقومية‬ ‫واألممية وفلسطني تحتالن ذهن هذا املثقف، الذي عاد لينخرط بالشأن العام أكرث ويوقع العرائض ويشكل‬ ‫منظامت حقوق إنسان ويقرتح بدائل بشأن نظام الحكم وسبل تغيريه داعياً لعقد اجتامعي جديد بني املثقف‬ ‫والسلطة، حيث بدأت تظهر يف الحياة السياسية الفقرية واملعزولة عن املجتمع عموماً تعابري من نوع ‘املجتمع‬ ‫املدين’ و‘التداول السلمي للسلطة’ و‘إلغاء قانون الطوارئ’ و‘إلغاء الحزب الواحد’... و لكن بالتأكيد مل يكن بني‬ ‫مفرادتهم ‘الثورة’ التي تم تطليقها نهائياً لكرثة ما ابتذلت يف طيلة العقود الفاصلة بني الخمسينيات والثامنينيات،‬ ‫وهو ما دفع بشارة للقول: “ما يهمني هنا هو أ