دراسات
املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
وهي ما دفعت باتجاه مشاريع وحدوية ارتجالية أي وحدة ملجرد الوحدة دون معرفة إن كانت قادرة عىل
الصمود أم ال، ولهذا ماتت الوحدة السورية املرصية عىل يد املطالبني بها بعد ثالث سنوات من بدئها، ألنها مل
تبنى عىل معرفة بالواقع واحتامالته بل نتيجة رغبة شعبوية أعطاها مرشوعيتها كل من األحزاب واملثقف هذا.
مع الهزمية ووالدة ‘املثقف األيديولوجي النقدي’ سيصبح السؤال: مل فشلنا ومل نحقق الوحدة؟ دون أن
يالمس النقد ‘الوحدة’ ذاتها وعام إذا كانت ‘الوحدة اآلن’ بحد ذاتها جيدة فعالً أم ال، دون أن يفكر أحد يف
ٌ
الدولة الوطنية (القطْرِية عىل حد تعبريهم بكرثة) القامئة والعمل عىل تجذيرها يك تكون طريقاً نحو وحدة
ُ
مستقبلية، إذ بقي جرحي ‘سايكس بيكو’ والهزمية يفعالن فعلهام يف ذهن املثقف لوقت طويل دون القدرة عىل
الخروج من البقاء تحت أثر الجرح واملرض إىل التعايف منه حتى يومنا هذا(3((، ليمهد الطريق بذلك للدكتاتوريات
القامئة عىل هذه األيديولوجيات التي تاجرت بالوحدة وفلسطني، وبكل قضية كأداة للبقاء يف السلطة. إذ سنجد
أن األيديولوجية النقدية نفسها أبقت إميانها بالوحدة وأهملت الدولة القامئة بحجة أنها منتج ‘سايكس بيكو’،
وصبت جام نقدها عىل السلطات الحاملة لهذه األيديولوجية من موقع جزيئ يهدف إىل الوصول إىل السلطة بديالً
ّ
عنها ال أكرث وال أقل، وهو الذي امتد حتى اليوم يف صيغة املعارضات التي تأسست عىل هذه الضدية القاتلة دون
أي مرشوع وطني أو نقدي.
من هنا سيبدأ العمل النقدي عىل املشاريع الكربى لدى املثقف وسيغيب الواقع، لنكون أمام نقد ملجرد النقد،
يف الوقت الذي كانت فيه األيديولوجيات تتحول إىل استبداد عضوض، وقد تجىل األمر يف األحزاب السياسية التي
ّ
مل تغيرّ أيديولوجياتها وتراجعها ويف األداء السيايس الذي جعل قادة الحزب أنبياء معصومني وقادة إىل األبد مع
صعود مفهوم القائد إىل األبد الذي كرس مسألة االستبداد ودجن املثقفني فتحول قسم منهم طيعاً متخلّياً عن
ّ
ّ
ّ
ّ
أوهامه نحو غيتو االختصاص أو إىل السجن ملقارعته الدكتاتورية من موقع األيديولوجيا النقدية وليس من موقع
املثقف املستقل، إذ مع مرحلة الثامنينيات وخروج السلطة منترصة يف سوريا سيذهب هذا املثقف األيديولوجي
النقدي نحو السجن أو املنفى، ويولد املثقف املنحرص يف غيتو اختصاصه من موقع نقدي سيتجذر أكرث مع انهيار
االتحاد السوفيايت الذي دفع املثقف إىل جملة مراجعات عىل رأسها مسألة الثورة، حيث سينقسم من بقي خارج
املعتقل إىل قسمني: األول ملتحق كلياً بالسلطة ومنافعها ومنحرص ضمن غيتو االختصاص بشكل كيل، وآخر
ينحرص ضمن غيتو اختصاصه الثقايف إمنا يبقى عىل متاس مع الشأن العام، دون أن يتصادم مع السلطة بشكل
مبارش، بحيث يعمل عىل استغالل الهامش املتاح والعمل ضمنه لتوسيع مساحة اللعب ال أكرث، محاذرا ً أن ال
يستفز السلطة يك ال يلتحق بزمالئه، ويف هذا السياق قد يكون طيب تيزيني مثاالً يعكس هذه التحوالت، فهو
ابن األيديولوجيا اليسارية بحيث تنطبق عليه صفة ‘املثقف األيديولوجي’ ليتحول بعد هزمية حزيران إىل موقع
ّ
املثقف األيديولوجي من موقع نقدي، بحيث يبقى إميانه راسخاً باأليديولوجيا اليسارية ولكن يبحث عن العطب
يف الرتاث والحل يف الثورة، ليطلق مرشوعه النقدي الضخم ‘من الرتاث إىل الثورة’.
وتحت تأثري انهيار االتحاد السوفيايت سيخرج من األيديولوجية اليسارية باتجاه رحابة الفكر النقدي، ليغيرّ
عنوان مرشوعه إىل ‘من الرتاث إىل النهضة’ ليصبح مثقفاً أيديولوجياً نقدياً يسلّط سهام نقده نحو الدولة األمنية
ويبدأ منذ منتصف مثانينيات القرن املايض يتحدث بشكل علني عن الدولة األمنية، ويصبح فيام بعد منخرطاً يف
الشأن العام، بشكل كيل خاصة بعد عام 0002، ويصبح ‘مثقفاً نقدياً، عضوياً’.
طيلة مرحلة التس عينيات سيخرج من السجن دفعة جديدة من املثقفني الذين تعلّموا وقرؤوا وكونوا معارف
ّ
03 حلل هذا األمر بشكل جيد املفكر جورج طرابييش يف كتابه ‘املرض بالغرب: التحليل النفيس لعصاب جامعي’.
09
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102