Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 90

‫دراسات‬ ‫املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا‬ ‫وهي ما دفعت باتجاه مشاريع وحدوية ارتجالية أي وحدة ملجرد الوحدة دون معرفة إن كانت قادرة عىل‬ ‫الصمود أم ال، ولهذا ماتت الوحدة السورية املرصية عىل يد املطالبني بها بعد ثالث سنوات من بدئها، ألنها مل‬ ‫تبنى عىل معرفة بالواقع واحتامالته بل نتيجة رغبة شعبوية أعطاها مرشوعيتها كل من األحزاب واملثقف هذا.‬ ‫مع الهزمية ووالدة ‘املثقف األيديولوجي النقدي’ سيصبح السؤال: مل فشلنا ومل نحقق الوحدة؟ دون أن‬ ‫يالمس النقد ‘الوحدة’ ذاتها وعام إذا كانت ‘الوحدة اآلن’ بحد ذاتها جيدة فعالً أم ال، دون أن يفكر أحد يف‬ ‫ٌ‬ ‫الدولة الوطنية (القطْرِية عىل حد تعبريهم بكرثة) القامئة والعمل عىل تجذيرها يك تكون طريقاً نحو وحدة‬ ‫ُ‬ ‫مستقبلية، إذ بقي جرحي ‘سايكس بيكو’ والهزمية يفعالن فعلهام يف ذهن املثقف لوقت طويل دون القدرة عىل‬ ‫الخروج من البقاء تحت أثر الجرح واملرض إىل التعايف منه حتى يومنا هذا(3((، ليمهد الطريق بذلك للدكتاتوريات‬ ‫القامئة عىل هذه األيديولوجيات التي تاجرت بالوحدة وفلسطني، وبكل قضية كأداة للبقاء يف السلطة. إذ سنجد‬ ‫أن األيديولوجية النقدية نفسها أبقت إميانها بالوحدة وأهملت الدولة القامئة بحجة أنها منتج ‘سايكس بيكو’،‬ ‫وصبت جام نقدها عىل السلطات الحاملة لهذه األيديولوجية من موقع جزيئ يهدف إىل الوصول إىل السلطة بديالً‬ ‫ّ‬ ‫عنها ال أكرث وال أقل، وهو الذي امتد حتى اليوم يف صيغة املعارضات التي تأسست عىل هذه الضدية القاتلة دون‬ ‫أي مرشوع وطني أو نقدي.‬ ‫من هنا سيبدأ العمل النقدي عىل املشاريع الكربى لدى املثقف وسيغيب الواقع، لنكون أمام نقد ملجرد النقد،‬ ‫يف الوقت الذي كانت فيه األيديولوجيات تتحول إىل استبداد عضوض، وقد تجىل األمر يف األحزاب السياسية التي‬ ‫ّ‬ ‫مل تغيرّ أيديولوجياتها وتراجعها ويف األداء السيايس الذي جعل قادة الحزب أنبياء معصومني وقادة إىل األبد مع‬ ‫صعود مفهوم القائد إىل األبد الذي كرس مسألة االستبداد ودجن املثقفني فتحول قسم منهم طيعاً متخلّياً عن‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫أوهامه نحو غيتو االختصاص أو إىل السجن ملقارعته الدكتاتورية من موقع األيديولوجيا النقدية وليس من موقع‬ ‫املثقف املستقل، إذ مع مرحلة الثامنينيات وخروج السلطة منترصة يف سوريا سيذهب هذا املثقف األيديولوجي‬ ‫النقدي نحو السجن أو املنفى، ويولد املثقف املنحرص يف غيتو اختصاصه من موقع نقدي سيتجذر أكرث مع انهيار‬ ‫االتحاد السوفيايت الذي دفع املثقف إىل جملة مراجعات عىل رأسها مسألة الثورة، حيث سينقسم من بقي خارج‬ ‫املعتقل إىل قسمني: األول ملتحق كلياً بالسلطة ومنافعها ومنحرص ضمن غيتو االختصاص بشكل كيل، وآخر‬ ‫ينحرص ضمن غيتو اختصاصه الثقايف إمنا يبقى عىل متاس مع الشأن العام، دون أن يتصادم مع السلطة بشكل‬ ‫مبارش، بحيث يعمل عىل استغالل الهامش املتاح والعمل ضمنه لتوسيع مساحة اللعب ال أكرث، محاذرا ً أن ال‬ ‫يستفز السلطة يك ال يلتحق بزمالئه، ويف هذا السياق قد يكون طيب تيزيني مثاالً يعكس هذه التحوالت، فهو‬ ‫ابن األيديولوجيا اليسارية بحيث تنطبق عليه صفة ‘املثقف األيديولوجي’ ليتحول بعد هزمية حزيران إىل موقع‬ ‫ّ‬ ‫املثقف األيديولوجي من موقع نقدي، بحيث يبقى إميانه راسخاً باأليديولوجيا اليسارية ولكن يبحث عن العطب‬ ‫يف الرتاث والحل يف الثورة، ليطلق مرشوعه النقدي الضخم ‘من الرتاث إىل الثورة’.‬ ‫وتحت تأثري انهيار االتحاد السوفيايت سيخرج من األيديولوجية اليسارية باتجاه رحابة الفكر النقدي، ليغيرّ‬ ‫عنوان مرشوعه إىل ‘من الرتاث إىل النهضة’ ليصبح مثقفاً أيديولوجياً نقدياً يسلّط سهام نقده نحو الدولة األمنية‬ ‫ويبدأ منذ منتصف مثانينيات القرن املايض يتحدث بشكل علني عن الدولة األمنية، ويصبح فيام بعد منخرطاً يف‬ ‫الشأن العام، بشكل كيل خاصة بعد عام 0002، ويصبح ‘مثقفاً نقدياً، عضوياً’.‬ ‫طيلة مرحلة التس عينيات سيخرج من السجن دفعة جديدة من املثقفني الذين تعلّموا وقرؤوا وكونوا معارف‬ ‫ّ‬ ‫03 حلل هذا األمر بشكل جيد املفكر جورج طرابييش يف كتابه ‘املرض بالغرب: التحليل النفيس لعصاب جامعي’.‬ ‫09‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬