املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
ويف هذه املرحلة ولدى هذا النمط من املثقفني/املنظرين كان مثة تزاوج بني العمل الثقايف ومامرسة السياسة
أو االنتامء لحزب سيايس أو أيديولوجيا، وذلك لصالح الثانية، أي مل تكن الثقافة مستقلة أبدا ً ومل يكن هناك أي
مفهوم حول استقالليتها، بل كانت متارس بوصفها كذلك، أي دمجاً بني االثنني، ومن النادر جدا ً أن نجد ‘مثقفاً’
تعاطى الشأن العام من موقع استقالليته عن الحزب أو األيديولوجيا فهو كان يستمد جوهر وجوده منها ألنها
الحاضنة التي ولد فيها، دون أن يعني ذلك أبدا ً أننا ننفي عن املثقف حقه باإلميان بأيديولوجيا معينة أو االنتامء
لحزب سيايس.
أبدا ً بل يتوجب أن تكون معرفته خاضعة للمعرفة وحسب وأن تكون أيديولوجيته خاضعة للنقد وما تنتجه
معرفته املستقلة ال العكس. ولعل ما يقوله شويري يلقي الضوء عىل هذا األمر أيضاً، إذ يقول: “يف سنة 3491 أراد
عفلق أن يرتشح لالنتخابات النيابية، وقبيل االنتخابات اجتمع عدد من املثقفني يف منزل أحمد الرشابايت لدعم
شكري القوتيل ضد زعامء الكتلة الوطنية اآلخرين، وأصدروا بياناً باسم مثقفي دمشق وقعه كل من ميشال عفلق
وصالح البيطار تأييدا ً لـشكري القوتيل”(2((، إذ نلمح هنا التداخل بني الحزيب/األيديولوجي والثقايف ونلمح جزئياً
تبعية الثاين لألول، ونلحظ كيف يدمج شويري بني املثقف واملنظر وقائد الحزب البيطار وعفلق، مام يعطينا فكرة
تبقى غامئة عموماً عن التداخل القائم بني الطرفني.
منط املثقف هذا ولد من رحم الحزب وحركة التحرر العربية التي سادت حتى نكسة حزيران، ليبدأ بعدها
وعىل أثر الهزمية التي عانتها هذه املشاريع األيديولوجية والدة ما ميكن أن نسميه ‘املثقف األيديولوجي النقدي’
أي املثقف الذي مل يتخىل عن أيديولوجيته بل بدأ ينتقدها من الداخل ومل يخرج منها، حيث ستبقى أيديولوجياته
الكربى قامئة وحاجبة للواقع مع تغيري وجهة النظر إليها أي نقدها يف الجزئيات دون الكليات، دون أن يصل النقد
حدود التفكري بالبدهي واملسلّم به، وهو ما أدى إىل الصدام بني السلطة واملثقف األيديولوجي، إذ يقول بشارة:
“لكن الساحة مل تخل من منظرين عرب وثوريني، كام أن السجون العربية ازدحمت باملثقفني النقديني املتهمني
بالتنظري للثورة وقلب نظام الحكم، نقدياً يسارياً كان التنظري أم قومياً، وسواء كانت مواقفهم ثورية أو مجرد
إصالحية”(2((. ليصبح املثقف أمام خيارين: االنشقاق والسجن أو الصمت والتحول إىل ‘مثقف مختص نقدي’
ّ
يعمل من داخل آليات السلطة، أي ما ميكن أن نسميه املثقف املنغمس يف غيتو اختصاصه من موقع نقدي أيضا.
وكأمثلة عىل منط املثقف األيديولوجي النقدي الذي بقي نقده داخل األيديولوجيا أي نقد قرشي ظاهري، نرى
أن املؤمنني باأليديولوجيا القومية مثالً تنقلوا من حزب قومي إىل آخر قومي أيضا، أو انشق الحزب نفسه تحت
وطأة تناقضاته الداخلية ليلتحق املثقف بأحدهام، وكذلك األمر بالنسبة لليسار الذي انشطر يف سوريا يسارات
متعددة، حيث ستبقى فكرة الثورة قامئة يف جوهره بكافة تشكيالته إىل حني انهيار االتحاد السوفيايت (وسنعود
للحديث عن املثقف والثورة يف سوريا يف جزء آخر)، وكذلك األمر بالنسبة للتيار اإلسالمي الذي هو األضعف يف
سوريا تاريخياً، لجهة إنتاج الثقافة والعالقة بها، كون عالقته األهم تقوم عىل الرتاث اإلسالمي وما أنتجه السلف
أكرث من العمل عىل مفاهيم ‘اإلصالح الديني’ وقراءة اإلسالم بعيون الحارض، ولعل كتاب ‘االشرتاكية واإلسالم’
ملؤسس الحركة مصطفى السباعي هو األخري يف هذا السياق.
ويف مثال آخر: كان لدى املثقف القومي املنتمي لنمط املثقف األيديولوجي/الطليعي إميان كبري بأن الوحدة
العربية هي الحل والرتياق لكل املشاكل العربية، ومبجرد ولوج هذه الجنة يدخل املواطن العريب جنة التغيري
ّ
املوعود.
82 املصدر السابق، ص: 001.
92 عزمي بشارة، عن املثقف والثورة، مجلة تبني للدراسات الفكرية والثقافية الفصلية، العدد 4 - املجلد األول-ربيع3102، ص: -831 931.
98
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102