Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 89

‫املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا‬ ‫ويف هذه املرحلة ولدى هذا النمط من املثقفني/املنظرين كان مثة تزاوج بني العمل الثقايف ومامرسة السياسة‬ ‫أو االنتامء لحزب سيايس أو أيديولوجيا، وذلك لصالح الثانية، أي مل تكن الثقافة مستقلة أبدا ً ومل يكن هناك أي‬ ‫مفهوم حول استقالليتها، بل كانت متارس بوصفها كذلك، أي دمجاً بني االثنني، ومن النادر جدا ً أن نجد ‘مثقفاً’‬ ‫تعاطى الشأن العام من موقع استقالليته عن الحزب أو األيديولوجيا فهو كان يستمد جوهر وجوده منها ألنها‬ ‫الحاضنة التي ولد فيها، دون أن يعني ذلك أبدا ً أننا ننفي عن املثقف حقه باإلميان بأيديولوجيا معينة أو االنتامء‬ ‫لحزب سيايس.‬ ‫أبدا ً بل يتوجب أن تكون معرفته خاضعة للمعرفة وحسب وأن تكون أيديولوجيته خاضعة للنقد وما تنتجه‬ ‫معرفته املستقلة ال العكس. ولعل ما يقوله شويري يلقي الضوء عىل هذا األمر أيضاً، إذ يقول: “يف سنة 3491 أراد‬ ‫عفلق أن يرتشح لالنتخابات النيابية، وقبيل االنتخابات اجتمع عدد من املثقفني يف منزل أحمد الرشابايت لدعم‬ ‫شكري القوتيل ضد زعامء الكتلة الوطنية اآلخرين، وأصدروا بياناً باسم مثقفي دمشق وقعه كل من ميشال عفلق‬ ‫وصالح البيطار تأييدا ً لـشكري القوتيل”(2((، إذ نلمح هنا التداخل بني الحزيب/األيديولوجي والثقايف ونلمح جزئياً‬ ‫تبعية الثاين لألول، ونلحظ كيف يدمج شويري بني املثقف واملنظر وقائد الحزب البيطار وعفلق، مام يعطينا فكرة‬ ‫تبقى غامئة عموماً عن التداخل القائم بني الطرفني.‬ ‫منط املثقف هذا ولد من رحم الحزب وحركة التحرر العربية التي سادت حتى نكسة حزيران، ليبدأ بعدها‬ ‫وعىل أثر الهزمية التي عانتها هذه املشاريع األيديولوجية والدة ما ميكن أن نسميه ‘املثقف األيديولوجي النقدي’‬ ‫أي املثقف الذي مل يتخىل عن أيديولوجيته بل بدأ ينتقدها من الداخل ومل يخرج منها، حيث ستبقى أيديولوجياته‬ ‫الكربى قامئة وحاجبة للواقع مع تغيري وجهة النظر إليها أي نقدها يف الجزئيات دون الكليات، دون أن يصل النقد‬ ‫حدود التفكري بالبدهي واملسلّم به، وهو ما أدى إىل الصدام بني السلطة واملثقف األيديولوجي، إذ يقول بشارة:‬ ‫“لكن الساحة مل تخل من منظرين عرب وثوريني، كام أن السجون العربية ازدحمت باملثقفني النقديني املتهمني‬ ‫بالتنظري للثورة وقلب نظام الحكم، نقدياً يسارياً كان التنظري أم قومياً، وسواء كانت مواقفهم ثورية أو مجرد‬ ‫إصالحية”(2((. ليصبح املثقف أمام خيارين: االنشقاق والسجن أو الصمت والتحول إىل ‘مثقف مختص نقدي’‬ ‫ّ‬ ‫يعمل من داخل آليات السلطة، أي ما ميكن أن نسميه املثقف املنغمس يف غيتو اختصاصه من موقع نقدي أيضا.‬ ‫وكأمثلة عىل منط املثقف األيديولوجي النقدي الذي بقي نقده داخل األيديولوجيا أي نقد قرشي ظاهري، نرى‬ ‫أن املؤمنني باأليديولوجيا القومية مثالً تنقلوا من حزب قومي إىل آخر قومي أيضا، أو انشق الحزب نفسه تحت‬ ‫وطأة تناقضاته الداخلية ليلتحق املثقف بأحدهام، وكذلك األمر بالنسبة لليسار الذي انشطر يف سوريا يسارات‬ ‫متعددة، حيث ستبقى فكرة الثورة قامئة يف جوهره بكافة تشكيالته إىل حني انهيار االتحاد السوفيايت (وسنعود‬ ‫للحديث عن املثقف والثورة يف سوريا يف جزء آخر)، وكذلك األمر بالنسبة للتيار اإلسالمي الذي هو األضعف يف‬ ‫سوريا تاريخياً، لجهة إنتاج الثقافة والعالقة بها، كون عالقته األهم تقوم عىل الرتاث اإلسالمي وما أنتجه السلف‬ ‫أكرث من العمل عىل مفاهيم ‘اإلصالح الديني’ وقراءة اإلسالم بعيون الحارض، ولعل كتاب ‘االشرتاكية واإلسالم’‬ ‫ملؤسس الحركة مصطفى السباعي هو األخري يف هذا السياق.‬ ‫ويف مثال آخر: كان لدى املثقف القومي املنتمي لنمط املثقف األيديولوجي/الطليعي إميان كبري بأن الوحدة‬ ‫العربية هي الحل والرتياق لكل املشاكل العربية، ومبجرد ولوج هذه الجنة يدخل املواطن العريب جنة التغيري‬ ‫ّ‬ ‫املوعود.‬ ‫82 املصدر السابق، ص: 001.‬ ‫92 عزمي بشارة، عن املثقف والثورة، مجلة تبني للدراسات الفكرية والثقافية الفصلية، العدد 4 - املجلد األول-ربيع3102، ص: -831 931.‬ ‫98‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬