دراسات
املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
وحدود هذا القبول، أي أن املعرفة بقيت بحدود التوق للحرية والرغبة بالتغيري أكرث مام هي معرفة بهام. ولعل
ضمور حركة املجتمع املدين وتوقف نتاجها الثقايف بعد حملة االعتقاالت، يعكس جانباً من األمر، فهي بدأت من
خارج املثقف مبا بات يعرف يف سوريا بخطاب القسم، وانتهت باعتقاالت السلطة، لريضخ الجميع إال البعض الذين
حملوا رسالة التغيري فكانوا ‘مناضلني’ أكرث مام هم مثقفني، ليعكس هذا األمر مدى ضعف تربة الثقافة والنضال
السوري أيضاً وما فعلته تجربة الثامنينيات، وهو ما جعل مناضالً مثل نبيل شويري يعلّق عىل تجربة ربيع دمشق
واملجتمع املدين ـ رغم أنه يقصد السياسيني إال أن كالمه ينطبق عىل املثقفني الذين كانوا يف صلب هذه الحركة
أيضاً ـ بالقول: “إنه مجرد موضة. أقول هذا ألنني أعرف بعض املنخرطني يف هذا التيار، حتى أنني أعرف أرسارهم.
وما أخشاه أن ينطبق عليهم تعليق أحد ظرفاء بريوت عىل إحدى املجموعات السياسية، فقد قال: إن ثقافتهم
شهادة، وطموحهم وظيفة، وفضائلهم رذائل مؤجلة ... إذا كان هؤالء يطالبون الحكم السوري باالنفتاح أكرث عىل
الدميقراطية وبالسامح بتأسيس مجتمع مدين فجوايب من شقني: أوالً، املجتمع املدين يصنع وال يطالب به. ومن
املحال أن يوجد حكم مينحه أو يقدر عىل منع قيامه. ثانياً، املدخل إىل الدميقراطية هو النقاش مع السلطة. أي
أن متسك خطاب القسم للرئيس بشار األسد وتقرأ الفقرة التي تحدثت عن هذا املوضوع ثم تفتتح النقاش معه
ومع السلطة يف هذا الشأن ... ليؤسسوا جريدة حائط، أو يصدروا جريدة لهم. زيك األرسوزي يف اإلسكندرون بدأ
بجريدة مخطوطة. ليعملوا مثل جريدة ‘الكلب’ التي أصدرها صدقي إسامعيل”(2((.
ال يعني ما سبق أن الثقافة السورية بني عامي 0891-0002 كانت ضامرة باملطلق، فقد سجل بعض املفكرين
واالقتصاديني بصامت واضحة يف مقارعة املستبد وإنتاج معرفة تشري إىل املستبد بوضوح وبشكل معريف علمي
رصني بعيدا عن األيديولوجية التي تركز عادة عىل رجم االستبداد وترشيره وأبلسته أكرث مام تقدم معرفة به.
فقد واجه املفكر االقتصادي عارف دليلة قوانني السلطة االقتصادية وبينّ محدوديتها وأرضارها ودفع مثن ذلك
سنوات من عمره يف املعتقل، حيث هاجم قوانني السلطة االقتصادية عام 0991 وطرد من جامعة دمشق عىل
إثرها، ليعود إىل عمله يف الجامعة بقرار من الرئيس األسد عىل إثر ربيع دمشق، إال أنه رسعان ما تبني للسلطة
عجزها عن احتوائه فكان اعتقاله بعد إجهاض ربيع دمشق بحكم عرش سنوات أعفي من ربع مدتها. إال أن مثال
دليلة يبقى استثناء والشمعة التي تنري الظالم، يف حني أن التاريخ ال يسري إال حني تتلقف الجامهري هذه الشموع.
ً
ما سبق يعطينا فكرة واضحة عن أن مثة غياباً واضحاً لسوريا ونظامها وطبيعتها واقتصادها واجتامعها
وطبقاتها عن مادة املثقف إال ما ندر، وحتى هذا النادر إن وجد فهو يعاين نقصاً معرفياً يجعلنا نطرح أسئلة كثرية
حول أسبابه، تبدأ من البحث عن أسباب هذا الغياب وال تنتهي عند سبب عدم خوض املثقف يف هذه األمور،
وعام إذا كانت هذه األدوار ليست أساساً من دور املثقف، وبالتايل هناك تحول يف مفهوم املثقف ووظيفته؟
ّ
إن رؤية كيفية انخراط املثقف السوري بالثورة والتنظري لها بعد الربيع العريب يؤكد أن املثقف يعي دوره يف
هذا الشأن، فلم غاب عنه سابقاً وانتظر الربيع ليعيده إليه؟ وهل هذه العودة إىل مفاهيم ‘الثورة’ و‘االنتفاضة’
وهي التي غابت طويالً عنه هي عودة معرفية أم سحرية تعيل من شأن األيديولوجيا عىل حساب املعرفة، وبالتايل
ال زال املثقف يكرر عجزه مرة أخرى يف بيع الوهم؟ وهل هذه العودة إىل الشأن العام بعد عام 0002 هي عودة
معرفية تقطع مع األيديولوجيا أم أنها بقيت مشدودة إىل هذه األيديولوجيا؟ أم بني بني؟
12 صقر أبو فخر، سوريا وحطام املراكب املبعرثة، حوار مع نبيل شويري: عفلق والبعث واملؤامرات والعسكر، املؤسسة العربية للدراسات والنرش، الطبعة
األوىل 5002، ص: 164-264-364.
68
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102