Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 86

‫دراسات‬ ‫املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا‬ ‫وحدود هذا القبول، أي أن املعرفة بقيت بحدود التوق للحرية والرغبة بالتغيري أكرث مام هي معرفة بهام. ولعل‬ ‫ضمور حركة املجتمع املدين وتوقف نتاجها الثقايف بعد حملة االعتقاالت، يعكس جانباً من األمر، فهي بدأت من‬ ‫خارج املثقف مبا بات يعرف يف سوريا بخطاب القسم، وانتهت باعتقاالت السلطة، لريضخ الجميع إال البعض الذين‬ ‫حملوا رسالة التغيري فكانوا ‘مناضلني’ أكرث مام هم مثقفني، ليعكس هذا األمر مدى ضعف تربة الثقافة والنضال‬ ‫السوري أيضاً وما فعلته تجربة الثامنينيات، وهو ما جعل مناضالً مثل نبيل شويري يعلّق عىل تجربة ربيع دمشق‬ ‫واملجتمع املدين ـ رغم أنه يقصد السياسيني إال أن كالمه ينطبق عىل املثقفني الذين كانوا يف صلب هذه الحركة‬ ‫أيضاً ـ بالقول: “إنه مجرد موضة. أقول هذا ألنني أعرف بعض املنخرطني يف هذا التيار، حتى أنني أعرف أرسارهم.‬ ‫وما أخشاه أن ينطبق عليهم تعليق أحد ظرفاء بريوت عىل إحدى املجموعات السياسية، فقد قال: إن ثقافتهم‬ ‫شهادة، وطموحهم وظيفة، وفضائلهم رذائل مؤجلة ... إذا كان هؤالء يطالبون الحكم السوري باالنفتاح أكرث عىل‬ ‫الدميقراطية وبالسامح بتأسيس مجتمع مدين فجوايب من شقني: أوالً، املجتمع املدين يصنع وال يطالب به. ومن‬ ‫املحال أن يوجد حكم مينحه أو يقدر عىل منع قيامه. ثانياً، املدخل إىل الدميقراطية هو النقاش مع السلطة. أي‬ ‫أن متسك خطاب القسم للرئيس بشار األسد وتقرأ الفقرة التي تحدثت عن هذا املوضوع ثم تفتتح النقاش معه‬ ‫ومع السلطة يف هذا الشأن ... ليؤسسوا جريدة حائط، أو يصدروا جريدة لهم. زيك األرسوزي يف اإلسكندرون بدأ‬ ‫بجريدة مخطوطة. ليعملوا مثل جريدة ‘الكلب’ التي أصدرها صدقي إسامعيل”(2((.‬ ‫ال يعني ما سبق أن الثقافة السورية بني عامي 0891-0002 كانت ضامرة باملطلق، فقد سجل بعض املفكرين‬ ‫واالقتصاديني بصامت واضحة يف مقارعة املستبد وإنتاج معرفة تشري إىل املستبد بوضوح وبشكل معريف علمي‬ ‫رصني بعيدا عن األيديولوجية التي تركز عادة عىل رجم االستبداد وترشيره وأبلسته أكرث مام تقدم معرفة به.‬ ‫فقد واجه املفكر االقتصادي عارف دليلة قوانني السلطة االقتصادية وبينّ محدوديتها وأرضارها ودفع مثن ذلك‬ ‫سنوات من عمره يف املعتقل، حيث هاجم قوانني السلطة االقتصادية عام 0991 وطرد من جامعة دمشق عىل‬ ‫إثرها، ليعود إىل عمله يف الجامعة بقرار من الرئيس األسد عىل إثر ربيع دمشق، إال أنه رسعان ما تبني للسلطة‬ ‫عجزها عن احتوائه فكان اعتقاله بعد إجهاض ربيع دمشق بحكم عرش سنوات أعفي من ربع مدتها. إال أن مثال‬ ‫دليلة يبقى استثناء والشمعة التي تنري الظالم، يف حني أن التاريخ ال يسري إال حني تتلقف الجامهري هذه الشموع.‬ ‫ً‬ ‫ما سبق يعطينا فكرة واضحة عن أن مثة غياباً واضحاً لسوريا ونظامها وطبيعتها واقتصادها واجتامعها‬ ‫وطبقاتها عن مادة املثقف إال ما ندر، وحتى هذا النادر إن وجد فهو يعاين نقصاً معرفياً يجعلنا نطرح أسئلة كثرية‬ ‫حول أسبابه، تبدأ من البحث عن أسباب هذا الغياب وال تنتهي عند سبب عدم خوض املثقف يف هذه األمور،‬ ‫وعام إذا كانت هذه األدوار ليست أساساً من دور املثقف، وبالتايل هناك تحول يف مفهوم املثقف ووظيفته؟‬ ‫ّ‬ ‫إن رؤية كيفية انخراط املثقف السوري بالثورة والتنظري لها بعد الربيع العريب يؤكد أن املثقف يعي دوره يف‬ ‫هذا الشأن، فلم غاب عنه سابقاً وانتظر الربيع ليعيده إليه؟ وهل هذه العودة إىل مفاهيم ‘الثورة’ و‘االنتفاضة’‬ ‫وهي التي غابت طويالً عنه هي عودة معرفية أم سحرية تعيل من شأن األيديولوجيا عىل حساب املعرفة، وبالتايل‬ ‫ال زال املثقف يكرر عجزه مرة أخرى يف بيع الوهم؟ وهل هذه العودة إىل الشأن العام بعد عام 0002 هي عودة‬ ‫معرفية تقطع مع األيديولوجيا أم أنها بقيت مشدودة إىل هذه األيديولوجيا؟ أم بني بني؟‬ ‫12 صقر أبو فخر، سوريا وحطام املراكب املبعرثة، حوار مع نبيل شويري: عفلق والبعث واملؤامرات والعسكر، املؤسسة العربية للدراسات والنرش، الطبعة‬ ‫األوىل 5002، ص: 164-264-364.‬ ‫68‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬