Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 84

‫دراسات‬ ‫املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا‬ ‫و‘التغيري السلمي الهادئ’ و‘التداول السلمي للسلطة’ و‘املجتمع املدين’ و‘النهضة’ و‘الدميقراطية’ وهي التي‬ ‫بقيت رائجة حتى انفجار الربيع العريب ليعود مصطلح الثورة واالنتفاضة إىل التداول، ويفاجأ بهام املثقف قبل‬ ‫غريه، فهي مقوالت كان نسفها من قواميس معرفته التي عال عليها غبار اليأس والهزمية. ليس عىل املستوى العام‬ ‫فحسب، بل عىل املستوى املعريف أيضاً، إذ ليس عيباً أن ال يتنبأ املثقف باملستقبل ويكون قادرا ً عىل اإلحاطة به،‬ ‫بل العيب يكمن يف عدم قراءة الواقع وفهمه والتخيل عن الكتابة عن أوضاعه وتقديم بيانات وأرقام ومعارف‬ ‫حول طبيعة السلطة ووضع البلد وتركيبته السياسية واالقتصادية، فلو كان هذا منجزا ً لكان ساهم يف فهم ما‬ ‫يحصل اليوم، ولرمبا قدم ذخرية معرفية يستند إليها الثوار واملتظاهرون والسياسيون يف فهم ما يحصل، وألن‬ ‫ّ‬ ‫هؤالء استندوا يف قراءتهم للسلطة وبنيتها وعنفها إىل املتوافر من هذه املعرفة التي قدمها هؤالء املثقفون رغم‬ ‫كل عيوبها فأنتجت ما أنتجت من ثورة هي ابنة وعي هذا الشعب، وهي انعكاس يف أحد أبعادها لغياب هذا‬ ‫الوعي الذي يعترب رشطا أساسياً لنجاح أي ثورة دون أن يكون كافياً، ألن الثوار يف نهاية املطاف هم “نتاج الثقافة‬ ‫ّ‬ ‫واالجتامع واالقتصاد يف ظل نظام الحكم القائم. إنهم نتاج قيمه السائدة. وأنظمة االستبداد الفاسدة التي تحكم‬ ‫فرتات طويلة تفسد املجتمعات. والثوار هم نتاج تلك املجتمعات، وهم أيضا نتاج تحدي النظام. ولكن التحدي‬ ‫ّ‬ ‫بالنفي ال يعني بالرضورة نشوء أخالق وقيم جديدة. ويكمن دور املثقف العمومي يف نقد الثقافة والقيم السائدة‬ ‫والناتجة من هيمنة ثقا فة االستبداد، ويف التثقيف عىل قيم الثورة كتحرر من االستبداد”(1(( مام يعني أنه ليس‬ ‫صحيحاً الوعي الشعبوي السائد اليوم أن هذه الثورات ولدت دون مثقفني، بل هي نتاج “صريورة ثقافية طويلة‬ ‫ساهم فيها املثقفون الدميقراطيون، وساهمت يف تبلور هذه الثورات ونشوء خطابها املميز. وإن فئات قارئة‬ ‫ومطلعة كانت يف صلب هذه الثورات، وال سيّام يف أوساط جيل الشباب املثقف الذي تأثر بتجارب علمية وبقراءة‬ ‫مثقفني نقديني محليني وعرب واالستامع إليهم، خصوصاً مع ظهور معرض الكتب، والكتب املنشورة عىل اإلنرتنت،‬ ‫وكرس احتكار املعارف والتحكم فيها، وخرق جميع أشكال الرقابة السلطوية التقليدية جراء ثورة االتصاالت‬ ‫ّ‬ ‫ووسائل اإلعالم اإلخبارية الفضائية”(1((. وهذا ينطبق عىل سوريا التي كانت ثورتها يف آذار 1102 نتاج نضال طويل‬ ‫األمد دفع مثنه اآلالف من املثقفني الثوريني والسياسيني واملناضلني سنوات من عمرهم يف السجون، وقد أخذت‬ ‫تجليها األبرز يف مرحلتي ربيع دمشق وإعالن دمشق، إال أن الوعي الذي كان يحكم أفق هذه الطبقة املحرضة‬ ‫عىل التغيري هو وعي محدود وعاجز، بعضها ألسباب بنيوية وبعضها اآلخر ألسباب واقعية تتجىل بالعالقة بني‬ ‫املثقف والسلطة يف واقع مضطرب، وبطبيعة املعرفة املنتَجة من قبل هذا املثقف وقصورها.‬ ‫ْ َ‬ ‫املقوالت التي راجت يف أفكار املثقفني مل تكن نتاج تأصيل وتراكم معرفيني، بقدر ما هي نتاج هزمية ويأس‬ ‫أدى لتعلّق املثقف بشكل سحري أيديولوجي بكل ما هو براق دون أن يسنده بتأصيل معريف يتجادل مع الواقع‬ ‫ّ‬ ‫لينتج معرفته استنادا ً لهذا الواقع وما يحتمل، بل هو نتاج أفكار متناقلة من كتاب إىل كتاب دون أن يكون للواقع‬ ‫أي صدى، مع استثناءات قليلة جدا ً وعىل مستوى السطح، ميكن أن نلمسها يف كتابات طيب تيزيني عن الدولة‬ ‫ّ‬ ‫األمنية السورية ويف كتابه ‘من ثالثية الفساد إىل املجتمع املدين’ وكذلك يف كتايب ‘هرطقات 1 و2’ لـجورج طرابييش‬ ‫عن التحذير من خطر األصوليات الكامنة يف املجتمع دون أن تغطي ترشيح االستبداد الذي يشكل األساس املنتج‬ ‫لهذه األصوليات.‬ ‫وليك يزيد األمر وضوحاً، لن نعرث يف املكتبة السورية كلها يف حدود علمي عىل كتاب فكري/معريف/علمي‬ ‫واحد يرشح طبيعة االستبداد والسلطة السورية ملثقف سوري، أو حتى كتاب سيايس، قبل عام 0002، يف حني‬ ‫ّ‬ ‫81 املصدر السابق، ص:141.‬ ‫91 املصدر السابق، صد: 931.‬ ‫48‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬