دراسات
املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
و‘التغيري السلمي الهادئ’ و‘التداول السلمي للسلطة’ و‘املجتمع املدين’ و‘النهضة’ و‘الدميقراطية’ وهي التي
بقيت رائجة حتى انفجار الربيع العريب ليعود مصطلح الثورة واالنتفاضة إىل التداول، ويفاجأ بهام املثقف قبل
غريه، فهي مقوالت كان نسفها من قواميس معرفته التي عال عليها غبار اليأس والهزمية. ليس عىل املستوى العام
فحسب، بل عىل املستوى املعريف أيضاً، إذ ليس عيباً أن ال يتنبأ املثقف باملستقبل ويكون قادرا ً عىل اإلحاطة به،
بل العيب يكمن يف عدم قراءة الواقع وفهمه والتخيل عن الكتابة عن أوضاعه وتقديم بيانات وأرقام ومعارف
حول طبيعة السلطة ووضع البلد وتركيبته السياسية واالقتصادية، فلو كان هذا منجزا ً لكان ساهم يف فهم ما
يحصل اليوم، ولرمبا قدم ذخرية معرفية يستند إليها الثوار واملتظاهرون والسياسيون يف فهم ما يحصل، وألن
ّ
هؤالء استندوا يف قراءتهم للسلطة وبنيتها وعنفها إىل املتوافر من هذه املعرفة التي قدمها هؤالء املثقفون رغم
كل عيوبها فأنتجت ما أنتجت من ثورة هي ابنة وعي هذا الشعب، وهي انعكاس يف أحد أبعادها لغياب هذا
الوعي الذي يعترب رشطا أساسياً لنجاح أي ثورة دون أن يكون كافياً، ألن الثوار يف نهاية املطاف هم “نتاج الثقافة
ّ
واالجتامع واالقتصاد يف ظل نظام الحكم القائم. إنهم نتاج قيمه السائدة. وأنظمة االستبداد الفاسدة التي تحكم
فرتات طويلة تفسد املجتمعات. والثوار هم نتاج تلك املجتمعات، وهم أيضا نتاج تحدي النظام. ولكن التحدي
ّ
بالنفي ال يعني بالرضورة نشوء أخالق وقيم جديدة. ويكمن دور املثقف العمومي يف نقد الثقافة والقيم السائدة
والناتجة من هيمنة ثقا فة االستبداد، ويف التثقيف عىل قيم الثورة كتحرر من االستبداد”(1(( مام يعني أنه ليس
صحيحاً الوعي الشعبوي السائد اليوم أن هذه الثورات ولدت دون مثقفني، بل هي نتاج “صريورة ثقافية طويلة
ساهم فيها املثقفون الدميقراطيون، وساهمت يف تبلور هذه الثورات ونشوء خطابها املميز. وإن فئات قارئة
ومطلعة كانت يف صلب هذه الثورات، وال سيّام يف أوساط جيل الشباب املثقف الذي تأثر بتجارب علمية وبقراءة
مثقفني نقديني محليني وعرب واالستامع إليهم، خصوصاً مع ظهور معرض الكتب، والكتب املنشورة عىل اإلنرتنت،
وكرس احتكار املعارف والتحكم فيها، وخرق جميع أشكال الرقابة السلطوية التقليدية جراء ثورة االتصاالت
ّ
ووسائل اإلعالم اإلخبارية الفضائية”(1((. وهذا ينطبق عىل سوريا التي كانت ثورتها يف آذار 1102 نتاج نضال طويل
األمد دفع مثنه اآلالف من املثقفني الثوريني والسياسيني واملناضلني سنوات من عمرهم يف السجون، وقد أخذت
تجليها األبرز يف مرحلتي ربيع دمشق وإعالن دمشق، إال أن الوعي الذي كان يحكم أفق هذه الطبقة املحرضة
عىل التغيري هو وعي محدود وعاجز، بعضها ألسباب بنيوية وبعضها اآلخر ألسباب واقعية تتجىل بالعالقة بني
املثقف والسلطة يف واقع مضطرب، وبطبيعة املعرفة املنتَجة من قبل هذا املثقف وقصورها.
ْ َ
املقوالت التي راجت يف أفكار املثقفني مل تكن نتاج تأصيل وتراكم معرفيني، بقدر ما هي نتاج هزمية ويأس
أدى لتعلّق املثقف بشكل سحري أيديولوجي بكل ما هو براق دون أن يسنده بتأصيل معريف يتجادل مع الواقع
ّ
لينتج معرفته استنادا ً لهذا الواقع وما يحتمل، بل هو نتاج أفكار متناقلة من كتاب إىل كتاب دون أن يكون للواقع
أي صدى، مع استثناءات قليلة جدا ً وعىل مستوى السطح، ميكن أن نلمسها يف كتابات طيب تيزيني عن الدولة
ّ
األمنية السورية ويف كتابه ‘من ثالثية الفساد إىل املجتمع املدين’ وكذلك يف كتايب ‘هرطقات 1 و2’ لـجورج طرابييش
عن التحذير من خطر األصوليات الكامنة يف املجتمع دون أن تغطي ترشيح االستبداد الذي يشكل األساس املنتج
لهذه األصوليات.
وليك يزيد األمر وضوحاً، لن نعرث يف املكتبة السورية كلها يف حدود علمي عىل كتاب فكري/معريف/علمي
واحد يرشح طبيعة االستبداد والسلطة السورية ملثقف سوري، أو حتى كتاب سيايس، قبل عام 0002، يف حني
ّ
81 املصدر السابق، ص:141.
91 املصدر السابق، صد: 931.
48
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102