Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 82

‫دراسات‬ ‫املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا‬ ‫السلطة، وبطريقة تظهر يف كثري من األحيان، بأن الحكم قبل البعث كان ‘دميقراطياً’ إذ كثريا ً ما يتم االستشهاد‬ ‫بفرتة الحكم الربملاين ‘الدميقراطي’ يف الخمسينيات عىل أنها ‘واحة’ الدميقراطية السورية، يف حني أن األمر ليس‬ ‫كذلك أبدا ً، فلنقرأ ما يقوله املناضل نبيل شويري الذي عارص تلك املرحلة بتفاصيلها الصاخبة: “املشكلة األساس‬ ‫يف سوريا هي يف القوانني االستثنائية ويف مقدمتها قانون الطوارئ، الذي كثريا ً ما يخطئون يف تاريخ رسيانه، وهو‬ ‫عىل زعمهم يوم الثامن من آذار 3691. والحال أنه بدأ يف العهد االستقاليل مع بداية حرب فلسطني العام 8491.‬ ‫وأول حاكم عريف يف سوريا كان جميل مردم ثم حسني الزعيم ثم أديب الشيشكيل ثم جامل عبد النارص ثم‬ ‫طبّق -أي قانون الطوارئ- يف العهد املدعو باالنفصال، ومل يرفع إال يف فرتات محدودة هي فرتات الحكم الربملاين‬ ‫9491-1591، و 4591-8591، ويف أشهر معدودات من صيف 2691 إىل 8 آذار 3691. وإذا توخينا جوهر املسألة‬ ‫الذي هو حكم االستبداد العسكري فعمره يف بالدنا يحسب مبئات السنني. ونعود فنقول إن الظن يف أن املسألة أو‬ ‫العقدة األساسية يف وجه الدميقراطية هي يف إرصار الحكم االستبدادي املخابرايت الفاسد عىل إبقاء قانون الطوارئ‬ ‫وغريه يف وجه املعارضة وال سيام معارضة اإلخوان املسلمني ... إن الذي يظن بأن حل هذه املشكلة، مشكلة قانون‬ ‫الطوارئ سيؤدي إىل مصالحة اجتامعية-سياسية تسمح باستئناف الحياة السياسية الطبيعية وتعيد الدميقراطية،‬ ‫هو بالضبط كمن يرى رأس جبل الجليد العائم ويتغافل عن أربعة أخامسه املغمورة، ومعروف مصري القبطان‬ ‫وركاب الباخرة يف مثل هذه الحال. إن املهمة األساسية التي يجب أن ينجزها املثقفون التقدميون هي فتح‬ ‫امللفات املانعة للدميقراطية ويف مقدمتها تلك االجتهادات الفقهية التي تستبيح أموال وأعراض ودماء مسلمني‬ ‫يدينون مبذاهب غري املذاهب األربعة املعرتف بها والخامس املقبول عىل مضض”(1((. وهذا يعطينا فكرة عن‬ ‫جهل املثقف من جهة و التوظيف السياسوي أو األيديولوجي للمثقف السوري ملعرفته بهدف ‘دحر االستبداد’‬ ‫بشكل سياسوي رغبوي، فيكون بذلك يساهم يف بقاء االستبداد رغم نواياه النبيلة، ألن ‘معارفه’ هذه، أو توظيفه‬ ‫السياسوي هذا، أو قراءته الرغبوية هذه، ستنتج وعياً زائفاً بهذا النظام وبنيته، وبالتايل وعياً زائفاً بطرق إسقاطه،‬ ‫وهو ما نحصد مثنه يف سوريا اليوم.‬ ‫ٌ‬ ‫مث ال ثالث: يف أغلب كتابات املثقفني السوريني، سنلمح عبارات من نوع إطالقي مفادها أن حافظ األسد‬ ‫هيمن عىل البعث، أو أن اللجنة العسكرية ‘العلوية’ هي من هيمن عىل البعث وحوله إىل مجرد أداة بيد‬ ‫ّ‬ ‫السلطة، وهو أمر صحيح يف حقيقة األمر، إال أنه يتغافل عن اإلطار التاريخي الذي ولد فيه هذا األمر، أي من‬ ‫خالل قراءة تجربة البعث كلها وتجارب كل األشخاص الذين تعاقبوا عليها، منذ بدايتها حتى اليوم يف سوريا، إذ‬ ‫مل يكن األسد أول من فعل ذلك بل هو فضاء عام دمغ أغلب التجارب الحزبية يف سوريا، ومن يقرأ مذكرات‬ ‫ّ‬ ‫املسؤولني والسياسيني وقادة األحزاب واملناضلني الذين كتبوا عن هذه الفرتة يدرك حجم الدسائس والتقلبات‬ ‫السياسية التي يخترصها ‘مثقفو اليوم’ بفرتة حافظ األسد وابنه دون أن يعني األمر تربئة األخريين، الذين جاء‬ ‫حكمهام تتويجاً لكل ما سبق، إال أن قراءة األمر خارج السياق التاريخي يشكل معرفة مبتورة تركز عىل الشخص‬ ‫بدل النظام أو األخري بدل الفضاء العام الذي ولد يف سياقه النظام بدءا ً من تكون سوريا حتى اليوم.‬ ‫ّ‬ ‫ويكفي أن نرسد املثال التايل، وأيضاً من مذكرات نبيل شويري لنفهم: “وبسبب نزاعه مع عبد النارص قرر‬ ‫عفلق أن يدير الحزب ‘عىل كيفو’. فراح يرتب املؤمترات منفردا ً: مؤمتر لألردن ومؤمتر للعراق ومؤمتر للبنان، ويعينّ‬ ‫قيادات حزبية لهذه األقطار. وكان من نتائج ذلك خروج قيادة األردن بزعامة عبد الله الرمياوي، وقيادة العراق‬ ‫بزعامة فؤاد الركايب. لقد كان عفلق يرغب بهذه الترصفات يف مقارعة عبد النارص وأكرم الحوراين، فركب موجة‬ ‫21 صقر أبو فخر، سوريا وحطام املراكب املبعرثة، حوار مع نبيل شويري: عفلق والبعث واملؤامرات والعسكر، املؤسسة العربية للدراسات والنرش، الطبعة‬ ‫األوىل 5002، ص: 41-51.‬ ‫28‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬