دراسات
املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
السلطة، وبطريقة تظهر يف كثري من األحيان، بأن الحكم قبل البعث كان ‘دميقراطياً’ إذ كثريا ً ما يتم االستشهاد
بفرتة الحكم الربملاين ‘الدميقراطي’ يف الخمسينيات عىل أنها ‘واحة’ الدميقراطية السورية، يف حني أن األمر ليس
كذلك أبدا ً، فلنقرأ ما يقوله املناضل نبيل شويري الذي عارص تلك املرحلة بتفاصيلها الصاخبة: “املشكلة األساس
يف سوريا هي يف القوانني االستثنائية ويف مقدمتها قانون الطوارئ، الذي كثريا ً ما يخطئون يف تاريخ رسيانه، وهو
عىل زعمهم يوم الثامن من آذار 3691. والحال أنه بدأ يف العهد االستقاليل مع بداية حرب فلسطني العام 8491.
وأول حاكم عريف يف سوريا كان جميل مردم ثم حسني الزعيم ثم أديب الشيشكيل ثم جامل عبد النارص ثم
طبّق -أي قانون الطوارئ- يف العهد املدعو باالنفصال، ومل يرفع إال يف فرتات محدودة هي فرتات الحكم الربملاين
9491-1591، و 4591-8591، ويف أشهر معدودات من صيف 2691 إىل 8 آذار 3691. وإذا توخينا جوهر املسألة
الذي هو حكم االستبداد العسكري فعمره يف بالدنا يحسب مبئات السنني. ونعود فنقول إن الظن يف أن املسألة أو
العقدة األساسية يف وجه الدميقراطية هي يف إرصار الحكم االستبدادي املخابرايت الفاسد عىل إبقاء قانون الطوارئ
وغريه يف وجه املعارضة وال سيام معارضة اإلخوان املسلمني ... إن الذي يظن بأن حل هذه املشكلة، مشكلة قانون
الطوارئ سيؤدي إىل مصالحة اجتامعية-سياسية تسمح باستئناف الحياة السياسية الطبيعية وتعيد الدميقراطية،
هو بالضبط كمن يرى رأس جبل الجليد العائم ويتغافل عن أربعة أخامسه املغمورة، ومعروف مصري القبطان
وركاب الباخرة يف مثل هذه الحال. إن املهمة األساسية التي يجب أن ينجزها املثقفون التقدميون هي فتح
امللفات املانعة للدميقراطية ويف مقدمتها تلك االجتهادات الفقهية التي تستبيح أموال وأعراض ودماء مسلمني
يدينون مبذاهب غري املذاهب األربعة املعرتف بها والخامس املقبول عىل مضض”(1((. وهذا يعطينا فكرة عن
جهل املثقف من جهة و التوظيف السياسوي أو األيديولوجي للمثقف السوري ملعرفته بهدف ‘دحر االستبداد’
بشكل سياسوي رغبوي، فيكون بذلك يساهم يف بقاء االستبداد رغم نواياه النبيلة، ألن ‘معارفه’ هذه، أو توظيفه
السياسوي هذا، أو قراءته الرغبوية هذه، ستنتج وعياً زائفاً بهذا النظام وبنيته، وبالتايل وعياً زائفاً بطرق إسقاطه،
وهو ما نحصد مثنه يف سوريا اليوم.
ٌ
مث ال ثالث: يف أغلب كتابات املثقفني السوريني، سنلمح عبارات من نوع إطالقي مفادها أن حافظ األسد
هيمن عىل البعث، أو أن اللجنة العسكرية ‘العلوية’ هي من هيمن عىل البعث وحوله إىل مجرد أداة بيد
ّ
السلطة، وهو أمر صحيح يف حقيقة األمر، إال أنه يتغافل عن اإلطار التاريخي الذي ولد فيه هذا األمر، أي من
خالل قراءة تجربة البعث كلها وتجارب كل األشخاص الذين تعاقبوا عليها، منذ بدايتها حتى اليوم يف سوريا، إذ
مل يكن األسد أول من فعل ذلك بل هو فضاء عام دمغ أغلب التجارب الحزبية يف سوريا، ومن يقرأ مذكرات
ّ
املسؤولني والسياسيني وقادة األحزاب واملناضلني الذين كتبوا عن هذه الفرتة يدرك حجم الدسائس والتقلبات
السياسية التي يخترصها ‘مثقفو اليوم’ بفرتة حافظ األسد وابنه دون أن يعني األمر تربئة األخريين، الذين جاء
حكمهام تتويجاً لكل ما سبق، إال أن قراءة األمر خارج السياق التاريخي يشكل معرفة مبتورة تركز عىل الشخص
بدل النظام أو األخري بدل الفضاء العام الذي ولد يف سياقه النظام بدءا ً من تكون سوريا حتى اليوم.
ّ
ويكفي أن نرسد املثال التايل، وأيضاً من مذكرات نبيل شويري لنفهم: “وبسبب نزاعه مع عبد النارص قرر
عفلق أن يدير الحزب ‘عىل كيفو’. فراح يرتب املؤمترات منفردا ً: مؤمتر لألردن ومؤمتر للعراق ومؤمتر للبنان، ويعينّ
قيادات حزبية لهذه األقطار. وكان من نتائج ذلك خروج قيادة األردن بزعامة عبد الله الرمياوي، وقيادة العراق
بزعامة فؤاد الركايب. لقد كان عفلق يرغب بهذه الترصفات يف مقارعة عبد النارص وأكرم الحوراين، فركب موجة
21 صقر أبو فخر، سوريا وحطام املراكب املبعرثة، حوار مع نبيل شويري: عفلق والبعث واملؤامرات والعسكر، املؤسسة العربية للدراسات والنرش، الطبعة
األوىل 5002، ص: 41-51.
28
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102