دراسات
املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
هو أن أولئك املجندين كانوا بعيدين جدا ً عن أيديولوجيا سوريا السياسية السائدة. وباإلضافة إىل ذلك، فإن
‘الوضع االقتصادي املرتدي’ يف مجتمعات سوريا الريفية واألقلوية جعل الجيش واسطة لحراكها االجتامعي. وبهذه
الطريقة، أصبحت الرتب األدىن يف الجيش، مبا فيها رتبة صف ضابط، حكرا ً عىل العلويني والدروز وسنة املناطق
ّ
الريفية. وملا كان العلويون أكرب األقليات، ورمبا أفقرها، يف البلد، فإنهم كانوا األكرث عددا ً يف الجيش. إال أنه مل يكن
لهم تأثري ملموس مدة جيل كامل بعد االستقالل. فالضباط السنة كانوا ممسكني بنقاط القوة يف الجيش خالل
األعوام التالية لالستقالل، ومل يسيطر العلويون عىل الجيش إال يف الستينيات، بعد أعامل تطهري متتالية جردت
ّ
املراتب العليا يف الجيش من الضباط السنة. وكانت الحكومات السورية يف تلك األعوام، كالفرنسيني من قبل، ترى
أن العلويني بعيدون جدا ً عن الرصاعات السياسية السورية، وبالتايل حياديون سياسياً(((.
يعطينا املقطع السابق فكرة واضحة عن أمرين: أوالً، إن تكوين الجيش الطائفي بدأ من مرحلة االنتداب
الفرنيس وليس يف عهد ‘ثورة البعث’. وثانياً إن الحكومات السورية الالحقة مل ترتك العلويني يف الجيش لثقتها
بهم أو العتبارهم مواطنني، بل ألنهم ‘حياديون سياسياً’ وال يشكلون خطرا ً عليهم آنذاك، وألنه منذ بدايات
القرن التاسع عرش، اتخذت األرس املرموقة يف املدن موقفاً عدائياً من املؤسسة العسكرية، التي كانت تلك األرس
تعتربها مؤسسة دونها، اجتامعياً. وجهدت يف ثني أبنائها عن االلتحاق بالجيش، واستخدمت ثرواتها وأنسبائها يف
الحكم للحصول عىل إعفاءات. وقد استمر هذا األمر حتى منتصف الثالثينيات أي عندما تعاظم إمكان حصول
سوريا عىل االستقالل. وعندها فقط، أخذ بعض الوطنيني يشجع أبناء النخبة املدينية عىل االنضامم إىل الجيش
بااللتحاق بالكلية العسكرية يف حمص. ولكن عىل الرغم من أنه كان هناك زيادة يف نسبة عرب املدن السنة
الذين أصبحوا ضباطاً بني عامي 6391-5491 (وهي نسبة فاقت نسبة الضباط يف فرتة 5291-5391)، فإن العالقة
بني سلك الضباط والقادة الوطنيني مل تكن طيبة. فقبل كل يشء، جاء أولئك الضباط من فروع متواضعة ألرس
مدينية بارزة أو من الطبقات الوسطى الصاعدة، وكانوا ينظرون بامتعاض إىل الزعامء املدنيني األبرز اجتامعياً
واألكرث ثراء ... فالقادة السياسيون السوريون كانوا يحتقرون الجيش ... ال يثقون بسلك الضباط، إذ اتهموه
ً
بخدمة الفرنسيني رصاحة، أو عىل األقل بخدمة املصالح الفرنسية باستنكافه عن النضال الوطني(((. مام يعطينا
فكرة عن حجم العوامل املؤثرة يف تركيبة الجيش السوري تاريخياً، والتي يتم اختزالها اليوم يف البعد الطائفي،
يف حني أنها تستوجب دراسة معمقة لوحدها تأخذ دور االنتداب واألبعاد ال