دراسات
املثقف واملعارضة والشأن العام يف سوريا
عبارة ماركس السابقة تيش بأن املعرفة بـ “تسبق الحدث ألنها متهد له، عرب املساهمة يف تنوير من يقوم
به عىل شدة الظلم والفساد، مبعنى أنها تنتج الوعي املحرك لهذه الجامهري ليك تفكر وتفهم أنها مستغلة فتبدأ
ّ
عملية التفكري بكيفية الخروج من هذا الوضع مستدلة مبا كتبه املثقف كمعامل طريق أو نقاط علاّم، ألن املهمة
الحقيقية للمثقف تكمن يف ‘صوغ البدائل من الوضع القائم”((( ألن املثقف “يساهم يف مناقشة الشأن العام
بأدوات عقالنية، ومن منطلق املواقف األخالقية”(((.
هذا ما يجب أن يكون عليه الوضع، فهل كان قامئاً يف سوريا قبل االنتفاضة؟ وإن كان قامئاً أو موجودا ً، فهل
كان قامئاً كشعور عام بالظلم أم كشعور خاص معريف/علمي مبني عىل أسس وأرقام ومعلومة وليس أيديولوجيا؟
أي شعور مييز املثقف بشعوره املعريف بهذا الظلم وسبل تفكيكه عن املواطن العادي بشعوره الفطري يف الظلم،
سواء من موقع من يقع عليه الظلم أو من موقع أيديولوجي ينتمي له هذا املواطن؟
قبل البدء بنقاش املعرفة التي أنتجها املثقف العريب والسوري تحديدا ً، والقارصة عن اإلحاطة بالوضع اليوم
ملعرفة أسباب ذلك، علينا أن نؤكد إن كانت هذه املعرفة قارصة فعالً، وتستحق وصفها الذي نصفها به، وهل
هي كذلك بالعموم أم مثة اخرتاقات ما لبعض املثقفني؟ وهل هي اخرتاقات هامة ذات داللة وتحدث أثرا ً أم أنها
مجرد ‘رصخة صامء’ أم ماذا؟
ليك ال يكون كالمنا يف الهباء سنتحدث عن بعض أوجه املعرفة القارصة كام تجلت يف كتابات املثقفني السوريني
عن سوريا، بشكل خاطف ورسيع، عرب أمثلة رسيعة، عىل أمل أن نتمكن الحقاً من تسليط الضوء يف جزء خاص
من هذا البحث عىل هذا األمر بشكل تفصييل وموسع عرب الدخول يف نقاش موسع مع املعرفة التي أنتجها املثقف
ّ
ّ
السوري حول سوريا، سواء فيام يتعلق باالنتفاضة أو بسوريا بشكل عام، مكتفني هنا ببعض األمثلة ليك ال يطول
هذا الجزء من البحث، ويك يدرك القارئ الهدف األسايس لهذا البحث.
ٌ
مثال أول: مؤخرا تحدث املفكر السوري الكبري صادق جالل العظم عام سماّه ‘العلوية السياسية’ مفرتضاً أن
النظام يف سوريا هو نوع من علوية سياسية، إذ قال: “ال ميكن للرصاع أن يصل إىل خامتته بدون سقوط العلوية
السياسية متاماً كم أن الحرب يف لبنان ما كان ميكن أن تصل إىل خامتتها بدون سقوط املارونية السياسة وليس
املوارنة يف لبنان”(((.
يصعب الفهم كيف ميكن ملفكر مثل العظم أن ال يدرك الفوارق بني سوريا ولبنان من جهة التكوين والفضاء
العام الذي ولد به كال البلدين يف ظل االنتداب الفرنيس، حيث اتجهت سوريا نحو النظام الجمهوري واتجه
لبنان بفعل توازناته الطائفية نحو نظام املارونية السياسية الذي رشعن األمر دستورياً وربط بني النظام والطائفة
واستمد رشعيته التاريخية من هذا النظام إىل أن قامت الحرب األهلية اللبنانية، يف حني أن رشعية النظام السوري
مستمدة تاريخياً من األسس الجمهورية رغم كل عللها، حتى قبل أن يصل النظام الحايل إىل السلطة، إذ يتناىس
العظم أن ‘العلوية السياسية’ أو ‘املارونية السياسية’ أو غري ها من هذه النظم تقوم يف بعد أول عىل أساس طائفي
واضح ورصيح، يدمج بني النظام السيايس والدولة، بحيث تكون النصوص الدستورية رصيحة وواضحة لجهة ‘حق’
2 عزمي بشارة، عن املثقف والثورة، مجلة تبني للدراسات الفكرية والثقافية الفصلية، العدد 4 -املجلد األول-ربيع3102، ص: 241.
3 املصدر السابق، ص: 131.
4 صادق جالل العظم لـ‘املدن’: الحل بسقوط العلوية السياسية، جريدة املدن االلكرتونية، حوار دمية ونوس، الخميس 31/30/4102، الرابط:
%-489http://www.almodon.com/Culture/Articles/%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D982-%%D8%AC%D984%%D8%A7%D
%D8%A7%D984%%D8%B9%D8%B8%D985--%%D984%%D986-%%D98%A%D986%%D8%AA%D987%%D98%A%-689%D8%A7%D984%%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A8%D8%AF%D988%%D
.9%D8%B3%D982%%D988%%D8%B7-%D8%A7%D984%%D8%B9%D984%%D988%%D98%A%D8%A
87
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102