aldoha magazine N 75 | Página 88

‫ذات مــرة، وبينما كنت أنــز حيرة وأغــرق في بحيرة‬ ‫ُ ّ‬ ‫هواجسي، إذا بي ألمح شبحا أسود يشق الزحام بهدوء.‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫كان الشبح يقترب مني، فيزداد مع اقترابه خفقان ارتباكي.‬ ‫ُ‬ ‫وقف الش بح األسود أمامي وأنا الزلت أحمل الفتتي بأناملي‬ ‫المتعرقة. كان الشبح يرتدي رداء أسود فضفاضا كأنه‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫يخاف أن يتم التعرف إليه، كان مظهره يثير الشكوك..‬ ‫ُّ‬ ‫ً‬ ‫وزع صاحب الــرداء األســود نظراته يمينا وشماال كما‬ ‫ً‬ ‫َ َّ‬ ‫لتحرسه نيابة عنه، ثم اقترب قليال مني وهمس بصوت‬ ‫ً‬ ‫أنثوي خافت:‬ ‫ أنت من حفدة غابيتو(3) إذن..؟‬‫أجبتها بابتسامة ذكية:‬ ‫ِ‬ ‫ وأنت من قرائه..‬‫ّ‬ ‫أجابت بحزم:‬ ‫ أخيرًا وجدت ضالتي.‬‫َّ‬ ‫ثم لملمت أطــراف ردائــهــا، واتجهت صــوب القرصان‬ ‫النخاس. وبعد أن تبادال الوشوشات والهمسات، قرر‬ ‫َّ‬ ‫القرصان أن يبيعني لها مقابل أن تكتب عنه قصة، ولم‬ ‫ترحل إال بعد أن َّعت صكا تثبت فيه اتفاقهما، ولحد‬ ‫وق‬ ‫ًّ‬ ‫ّ‬ ‫الساعة لم نكتب قصة عن ذلك القرصان!‬ ‫ساقتني تلك الفتاة الغامضة إلى دفاترها، وجدتها مألى‬ ‫بالخربشات، وبرؤوس أقالم ُأهدر مدادها بين السطور،‬ ‫وببدايات تنتظر نهايات، وبنهايات تبحث عن بدايات،‬ ‫وبجمل يتيمة لم تتبّها أيــة قصة بعد.. كانت فوضى‬ ‫ن‬ ‫سردية بحق!‬ ‫فكرت للحظة أن أنظف المكان، أو أن أصنع من خردة‬ ‫ِّ‬ ‫السرد هذه قصصا ما، لكنني سمعت نقاشا صاخبا يتناهى‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫إلي من الصفحة الموالية.. قفزت إذن إلى الضفة األخرى،‬ ‫ّ‬ ‫وإذا بي أمام مائدة اجتمع حولها ثالث شخصيات ورقية:‬ ‫فتاة فاتنة ترتدي فستانا ناصع البياض تفوح عطراً، وكهل‬ ‫ً‬ ‫غليظ الطباع ذو لحية مهملة يرتدي معطفا سميك ً، وطفل‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫يرتدي أسما ً، يخفي وجهه بك َّيه. كنت أقترب منهم بهدوء‬ ‫َف‬ ‫ال‬ ‫حتى ال يلحظوا وجــودي، لكنني تعثرت بإحدى الجمل‬ ‫ا‬ ‫المكتوبة على الصفحة فسقطت أرض ً.. التفت الثالثة إلي‬ ‫ََ‬ ‫ّ‬ ‫(الطفل الصغير كان ينظر إلي من خالل فراغات أنامله)‬ ‫اقتربت مني الفتاة العطرة ذات الفستان األبيض، ومدت‬ ‫َ َّ‬ ‫يدها إلي كي تساعدني على النهوض:‬ ‫ّ‬ ‫ ال بد وأنك السارد الجديد الذي حدثتنا الكاتبة عن‬‫قدومه..‬ ‫لم أنطق، اكتفيت بتأمل تمثال الجمال هذا الذي كان ماثال‬ ‫ً‬ ‫ُّ‬ ‫أمامي.‬ ‫تبعت تلك الحورية العطرة وجلست في مقعد قربها،‬ ‫فيما كان الكهل العبوس يرمقني بشزر. وبعد لحظات إذا‬ ‫بي أرى الفتاة التي اصطحبتني من سوق نخاسة السرد.‬ ‫88‬ ‫ً‬ ‫ أهال بك بيننا.. أعرفك أوال بنفسي، أنا فتاة مصابة‬‫ً‬ ‫بمتالزمة السرد، أريد كتابة رزمة من القصص إال أنني‬ ‫أعاني حاليا من شــح في األيــدي الــســاردة، فأغلب من‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫كان يعمل معي من ساردين إما قضوا في حادث مدبر أو‬ ‫ُ َ َّ‬ ‫غير مدبر، أو أحيلوا إلى التقاعد، أو انتحروا، أو َّعوا‬ ‫وق‬ ‫ُ َ َّ‬ ‫استقاالتهم ليشتغلوا مع كاتب آخر، أو اعتزلوا السرد‬ ‫نهائي ً.. لم يتبق لي سوى هؤالء الثالثة: السيد راسبوتين..‬ ‫ا‬ ‫ّ‬ ‫ال تخف! إنه ليس راسبوتين الحقيقي، لقد اخترت له هذا‬ ‫االسم ألنه روسي أيض ً.. وجدته معتكفا في إحدى الغابات‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫في أثناء زيارتي لمدينة أركونا الخرافية باحثة عن بعض‬ ‫األساطير السالفية القديمة.. وهذه اآلنسة بلقيس، إنها‬ ‫الرقة عينها، ال تكتب إال عن الحب والجمال، َّرت بها بين‬ ‫تعث‬ ‫دواوين جبران، ونزار، وإيليوت، والسياب، وهوغو.. ال‬ ‫تشرب إال ندى البتيالت أو دموع العشاق، وال تأكل إال‬ ‫شهد الشعر وفاكهة األحالم. أما هذا الطفل الصغير هنا،‬ ‫فاسمه حنظلة، لهذا فال ِّفوا أنفسكم عناء النظر إلى‬ ‫تكل‬ ‫وجهه العزيز. بالنسبة لحنظلة.. لقد اختطفته، وجدته ذات‬ ‫صباح باكر ينقل الخبز الساخن على كتفيه الصغيرتين إلى‬ ‫أسرة فاحشة الثراء، فأخذته إلى مملكتي وشغْته ساردًا‬ ‫َ َّ ل‬ ‫عندي. يسعدني أن أعينك سارداً، هذا إن وافقت يا سيد..؟‬ ‫ّ‬ ‫ في الحقيقة.. ال أذكر اسما محددًا لي.. لكن يمكنك أن‬‫ً َّ‬ ‫تناديني: غابيتو.‬ ‫ضحكت الفتاة قلي ً، ثم أجابت:‬ ‫ال‬ ‫ حسن ً.. أنت أيضا يمكنك أن تناديني: وئام!‬‫ا‬ ‫ً‬ ‫.....‬ ‫لقد تسلمت شغلي أخيراً، وكانت أول مهمة لي هي أن‬ ‫ُ‬ ‫أكتب قصة قصيرة ألشــار ك بها في المشاريع السردية‬ ‫لكاتبتي. علي أن أكــون عند حسن ظ ِّها، كما أرجــو أن‬ ‫َن‬ ‫ّ‬ ‫تعجبها قصصي التي سأسرد عليها الحق ً.. ألثبت تفوقي‬ ‫ا‬ ‫ُّ‬ ‫على أولئك الثالثة، فأكون بذلك السارد المفضل عندها.‬ ‫َّ‬ ‫ينبغي علي أيضا إتقان مهنتي، هذا إن أردت االستمرار‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫فيها، وإال فسأعود إلــى سابق عهدي، ســاردًا متشردًا‬ ‫ِّ‬ ‫بئيسا يتسكع في سوق نخاسة السرد. في الحقيقة..‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫إنني أرثي حال هؤالء المبدعين، إنهم مساكين، كائنات‬ ‫َ‬ ‫مغبونة تعيش على فتات إطراء قد يجود به بعض من ذوي‬ ‫النفوس الكريمة، سرعان ما تودعه في «بنك رد الجميل»‬ ‫ّ‬ ‫كما سماه باولو كويهلو ذات يوم، في انتظار أن تضارب‬ ‫ٍ‬ ‫به في بورصة للنقد.‬ ‫أهذا ما تبّى لإلبداع في زمن كهذا؟ هل ح َّت به لعنة‬ ‫َل‬ ‫ق‬ ‫الفراعنة – كتلك التي تحدث عنها أنيس منصور ذات‬ ‫َّ َ‬ ‫رواية..- أم أن اإلبداع نفسه.. لعنة؟‬ ‫ألكن لطيفا في اإلجابة – أو مجامال حتى، عرفانا بجميل‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫كاتبتي- وألقل إن اإلبداع تفاحة خطيئة لذيذة.. شهية، أو‬ ‫امرأة فاتنة، مخاتلة، يساعدها المبدعون في نسج خيوط‬ ‫غوايتهم، ويعينونها في نصب أفخاخها الالحقة لهم! ذلك‬