ذات مــرة، وبينما كنت أنــز حيرة وأغــرق في بحيرة
ُ ّ
هواجسي، إذا بي ألمح شبحا أسود يشق الزحام بهدوء.
ً
ّ
كان الشبح يقترب مني، فيزداد مع اقترابه خفقان ارتباكي.
ُ
وقف الش بح األسود أمامي وأنا الزلت أحمل الفتتي بأناملي
المتعرقة. كان الشبح يرتدي رداء أسود فضفاضا كأنه
ً
ً
ِّ
يخاف أن يتم التعرف إليه، كان مظهره يثير الشكوك..
ُّ
ً
وزع صاحب الــرداء األســود نظراته يمينا وشماال كما
ً
َ َّ
لتحرسه نيابة عنه، ثم اقترب قليال مني وهمس بصوت
ً
أنثوي خافت:
أنت من حفدة غابيتو(3) إذن..؟أجبتها بابتسامة ذكية:
ِ
وأنت من قرائه..ّ
أجابت بحزم:
أخيرًا وجدت ضالتي.َّ
ثم لملمت أطــراف ردائــهــا، واتجهت صــوب القرصان
النخاس. وبعد أن تبادال الوشوشات والهمسات، قرر
َّ
القرصان أن يبيعني لها مقابل أن تكتب عنه قصة، ولم
ترحل إال بعد أن َّعت صكا تثبت فيه اتفاقهما، ولحد
وق
ًّ
ّ
الساعة لم نكتب قصة عن ذلك القرصان!
ساقتني تلك الفتاة الغامضة إلى دفاترها، وجدتها مألى
بالخربشات، وبرؤوس أقالم ُأهدر مدادها بين السطور،
وببدايات تنتظر نهايات، وبنهايات تبحث عن بدايات،
وبجمل يتيمة لم تتبّها أيــة قصة بعد.. كانت فوضى
ن
سردية بحق!
فكرت للحظة أن أنظف المكان، أو أن أصنع من خردة
ِّ
السرد هذه قصصا ما، لكنني سمعت نقاشا صاخبا يتناهى
ً
ً
ً
إلي من الصفحة الموالية.. قفزت إذن إلى الضفة األخرى،
ّ
وإذا بي أمام مائدة اجتمع حولها ثالث شخصيات ورقية:
فتاة فاتنة ترتدي فستانا ناصع البياض تفوح عطراً، وكهل
ً
غليظ الطباع ذو لحية مهملة يرتدي معطفا سميك ً، وطفل
ا
ً
يرتدي أسما ً، يخفي وجهه بك َّيه. كنت أقترب منهم بهدوء
َف
ال
حتى ال يلحظوا وجــودي، لكنني تعثرت بإحدى الجمل
ا
المكتوبة على الصفحة فسقطت أرض ً.. التفت الثالثة إلي
ََ
ّ
(الطفل الصغير كان ينظر إلي من خالل فراغات أنامله)
اقتربت مني الفتاة العطرة ذات الفستان األبيض، ومدت
َ َّ
يدها إلي كي تساعدني على النهوض:
ّ
ال بد وأنك السارد الجديد الذي حدثتنا الكاتبة عنقدومه..
لم أنطق، اكتفيت بتأمل تمثال الجمال هذا الذي كان ماثال
ً
ُّ
أمامي.
تبعت تلك الحورية العطرة وجلست في مقعد قربها،
فيما كان الكهل العبوس يرمقني بشزر. وبعد لحظات إذا
بي أرى الفتاة التي اصطحبتني من سوق نخاسة السرد.
88
ً
أهال بك بيننا.. أعرفك أوال بنفسي، أنا فتاة مصابةً
بمتالزمة السرد، أريد كتابة رزمة من القصص إال أنني
أعاني حاليا من شــح في األيــدي الــســاردة، فأغلب من
ً
ّ
كان يعمل معي من ساردين إما قضوا في حادث مدبر أو
ُ َ َّ
غير مدبر، أو أحيلوا إلى التقاعد، أو انتحروا، أو َّعوا
وق
ُ َ َّ
استقاالتهم ليشتغلوا مع كاتب آخر، أو اعتزلوا السرد
نهائي ً.. لم يتبق لي سوى هؤالء الثالثة: السيد راسبوتين..
ا
ّ
ال تخف! إنه ليس راسبوتين الحقيقي، لقد اخترت له هذا
االسم ألنه روسي أيض ً.. وجدته معتكفا في إحدى الغابات
ا
ً
في أثناء زيارتي لمدينة أركونا الخرافية باحثة عن بعض
األساطير السالفية القديمة.. وهذه اآلنسة بلقيس، إنها
الرقة عينها، ال تكتب إال عن الحب والجمال، َّرت بها بين
تعث
دواوين جبران، ونزار، وإيليوت، والسياب، وهوغو.. ال
تشرب إال ندى البتيالت أو دموع العشاق، وال تأكل إال
شهد الشعر وفاكهة األحالم. أما هذا الطفل الصغير هنا،
فاسمه حنظلة، لهذا فال ِّفوا أنفسكم عناء النظر إلى
تكل
وجهه العزيز. بالنسبة لحنظلة.. لقد اختطفته، وجدته ذات
صباح باكر ينقل الخبز الساخن على كتفيه الصغيرتين إلى
أسرة فاحشة الثراء، فأخذته إلى مملكتي وشغْته ساردًا
َ َّ ل
عندي. يسعدني أن أعينك سارداً، هذا إن وافقت يا سيد..؟
ّ
في الحقيقة.. ال أذكر اسما محددًا لي.. لكن يمكنك أنً َّ
تناديني: غابيتو.
ضحكت الفتاة قلي ً، ثم أجابت:
ال
حسن ً.. أنت أيضا يمكنك أن تناديني: وئام!ا
ً
.....
لقد تسلمت شغلي أخيراً، وكانت أول مهمة لي هي أن
ُ
أكتب قصة قصيرة ألشــار ك بها في المشاريع السردية
لكاتبتي. علي أن أكــون عند حسن ظ ِّها، كما أرجــو أن
َن
ّ
تعجبها قصصي التي سأسرد عليها الحق ً.. ألثبت تفوقي
ا
ُّ
على أولئك الثالثة، فأكون بذلك السارد المفضل عندها.
َّ
ينبغي علي أيضا إتقان مهنتي، هذا إن أردت االستمرار
ً
ّ
فيها، وإال فسأعود إلــى سابق عهدي، ســاردًا متشردًا
ِّ
بئيسا يتسكع في سوق نخاسة السرد. في الحقيقة..
ً
َّ
إنني أرثي حال هؤالء المبدعين، إنهم مساكين، كائنات
َ
مغبونة تعيش على فتات إطراء قد يجود به بعض من ذوي
النفوس الكريمة، سرعان ما تودعه في «بنك رد الجميل»
ّ
كما سماه باولو كويهلو ذات يوم، في انتظار أن تضارب
ٍ
به في بورصة للنقد.
أهذا ما تبّى لإلبداع في زمن كهذا؟ هل ح َّت به لعنة
َل
ق
الفراعنة – كتلك التي تحدث عنها أنيس منصور ذات
َّ َ
رواية..- أم أن اإلبداع نفسه.. لعنة؟
ألكن لطيفا في اإلجابة – أو مجامال حتى، عرفانا بجميل
ً
ً
ً
كاتبتي- وألقل إن اإلبداع تفاحة خطيئة لذيذة.. شهية، أو
امرأة فاتنة، مخاتلة، يساعدها المبدعون في نسج خيوط
غوايتهم، ويعينونها في نصب أفخاخها الالحقة لهم! ذلك