أن المبدعين، خاصة الحقيقيين منهم –وال أدري إن كان
فرويد سيبارك هذا الوصف أم ال- كائنات مازوخية َّذ
تتلذ
بمخاض اإلبداع.. فاإلبداع حلم يشوبه ألم.
أليس الفرزدق من قال إن خلع ضرس يكون عليه أهون
من قول بيت من الشعر.. في بعض الساعات؟
فلتنعموا بأقالمكم، وبأحالمكم، وبآالمكم أيض ً.. أيها
ا
المبدعون!
بـــدءًا بتلمظ دفعة األدريــنــالــيــن التي يضخها رعب
ّ
ُّ
الصفحة البيضاء في شرايينهم، سواء أكانت لوحة عذراء
لم تلطخ بعد باأللوان، أو ورقة لم يبقرها سواد المداد
ِّ
واألفكار، أو صفحة من دفتر موسيقي لم تمزق هدوءها
ِّ
نوتات سيمفونية محتملة، ينخرط المبدعون في تذوق
ُّ
الهدايا المرة التي يتحفهم بها اإلبداع، مرورًا بمحنة البحث
ّ
عن نطفة فكرة، وتعهدها بالسقي إلى أن تصير شجرة
ُّ
أفكار تحتاج إلى التشذيب –قد يصل األمر إلى البتر في
بعض األحيان..!- ولن ننسى المعاناة المريرة في عجن
التصورات، ونسج الحيثيات الدقيقة، وضبط الحسابات،
ورسم العالقات.. إنهم في كل هذا يجتزئون من هزائمهم
وانتصاراتهم، الصغيرة والكبيرة قطعا جاهزة لالستهالك،
ً
يسكبون عليها القليل (أو الكثير.. الكثير جداً) من صلصة
الخيال ويتبلونها ببعض بهارات الواقع مما سمعوا عنه
ِّ
من تجارب اآلخرين، ثم يقدمونها في طبق للتلّي، قبل
ق
ٍ
ِّ
أن يتسمروا على طرف مائدة اإلبداع وهم عاقدون َّهم،
أكف
ّ
ِّي المنهمك
وعيونهم الخائفة ال تكاد تفارق مالمح المتلق
في مضغ الوجبة! من يدري؟ قد يصير هذا المتلقي قاضيا
ً
متعسفا يزج بهم إلى قفص االتهام كي يحاكمهم بتهمة
ِّ ً ّ
التستر على جرائم باحت بها بالهتهم أدب ً! ولعل دوروثيا
ا
ُّ
براند تشاطرني الرأي في اعتبارها أن كل قصة تبدأ من
العقل الباطني، حتى إن بارث نفسه قال إن الكتابة ما هي
إال البقايا الفقيرة والهزيلة لألشياء الجميلة في ذواتنا..
ذلك أن الكاتب الجيد، عزيزي المتلقي –وعفوًا إن ناديتك
بهذه العبارة المسكوكة التي مجتها أذناي- هو ذاك الذي
ّ
يكتب نفسه، لكن دون أن يفلت الخيط الرفيع الذي يمر على
ّ
نفسه، وعلى األشياء أيض ً!
ا
ومهمتي اآلن، باعتباري ساردًا بالكاد تس َّم وظيفته
ََل
َّ
الجديدة، أن أجمع كبة من الخيوط، وأنسج بها أنا وكاتبتي
ّ
قصص ً، وقد كانت الوصية األولى التي قدمتها إلي كاتبتي
ا
َ َّ َ
ّ
هي أال أستغبيك، وكأنها بذلك تريد أن تستدرجك لتقع في
حفرة السرد، حتى تصيبك اللعنة التي أصابتها!
ها هي قد جــاءت، تحمل بين يديها كوبا من الحليب
ً
الممز