aldoha magazine N 75 | Seite 89

‫أن المبدعين، خاصة الحقيقيين منهم –وال أدري إن كان‬ ‫فرويد سيبارك هذا الوصف أم ال- كائنات مازوخية َّذ‬ ‫تتلذ‬ ‫بمخاض اإلبداع.. فاإلبداع حلم يشوبه ألم.‬ ‫أليس الفرزدق من قال إن خلع ضرس يكون عليه أهون‬ ‫من قول بيت من الشعر.. في بعض الساعات؟‬ ‫فلتنعموا بأقالمكم، وبأحالمكم، وبآالمكم أيض ً.. أيها‬ ‫ا‬ ‫المبدعون!‬ ‫بـــدءًا بتلمظ دفعة األدريــنــالــيــن التي يضخها رعب‬ ‫ّ‬ ‫ُّ‬ ‫الصفحة البيضاء في شرايينهم، سواء أكانت لوحة عذراء‬ ‫لم تلطخ بعد باأللوان، أو ورقة لم يبقرها سواد المداد‬ ‫ِّ‬ ‫واألفكار، أو صفحة من دفتر موسيقي لم تمزق هدوءها‬ ‫ِّ‬ ‫نوتات سيمفونية محتملة، ينخرط المبدعون في تذوق‬ ‫ُّ‬ ‫الهدايا المرة التي يتحفهم بها اإلبداع، مرورًا بمحنة البحث‬ ‫ّ‬ ‫عن نطفة فكرة، وتعهدها بالسقي إلى أن تصير شجرة‬ ‫ُّ‬ ‫أفكار تحتاج إلى التشذيب –قد يصل األمر إلى البتر في‬ ‫بعض األحيان..!- ولن ننسى المعاناة المريرة في عجن‬ ‫التصورات، ونسج الحيثيات الدقيقة، وضبط الحسابات،‬ ‫ورسم العالقات.. إنهم في كل هذا يجتزئون من هزائمهم‬ ‫وانتصاراتهم، الصغيرة والكبيرة قطعا جاهزة لالستهالك،‬ ‫ً‬ ‫يسكبون عليها القليل (أو الكثير.. الكثير جداً) من صلصة‬ ‫الخيال ويتبلونها ببعض بهارات الواقع مما سمعوا عنه‬ ‫ِّ‬ ‫من تجارب اآلخرين، ثم يقدمونها في طبق للتلّي، قبل‬ ‫ق‬ ‫ٍ‬ ‫ِّ‬ ‫أن يتسمروا على طرف مائدة اإلبداع وهم عاقدون َّهم،‬ ‫أكف‬ ‫ّ‬ ‫ِّي المنهمك‬ ‫وعيونهم الخائفة ال تكاد تفارق مالمح المتلق‬ ‫في مضغ الوجبة! من يدري؟ قد يصير هذا المتلقي قاضيا‬ ‫ً‬ ‫متعسفا يزج بهم إلى قفص االتهام كي يحاكمهم بتهمة‬ ‫ِّ ً ّ‬ ‫التستر على جرائم باحت بها بالهتهم أدب ً! ولعل دوروثيا‬ ‫ا‬ ‫ُّ‬ ‫براند تشاطرني الرأي في اعتبارها أن كل قصة تبدأ من‬ ‫العقل الباطني، حتى إن بارث نفسه قال إن الكتابة ما هي‬ ‫إال البقايا الفقيرة والهزيلة لألشياء الجميلة في ذواتنا..‬ ‫ذلك أن الكاتب الجيد، عزيزي المتلقي –وعفوًا إن ناديتك‬ ‫بهذه العبارة المسكوكة التي مجتها أذناي- هو ذاك الذي‬ ‫ّ‬ ‫يكتب نفسه، لكن دون أن يفلت الخيط الرفيع الذي يمر على‬ ‫ّ‬ ‫نفسه، وعلى األشياء أيض ً! ‬ ‫ا‬ ‫ومهمتي اآلن، باعتباري ساردًا بالكاد تس َّم وظيفته‬ ‫ََل‬ ‫َّ‬ ‫الجديدة، أن أجمع كبة من الخيوط، وأنسج بها أنا وكاتبتي‬ ‫ّ‬ ‫قصص ً، وقد كانت الوصية األولى التي قدمتها إلي كاتبتي‬ ‫ا‬ ‫َ َّ َ‬ ‫ّ‬ ‫هي أال أستغبيك، وكأنها بذلك تريد أن تستدرجك لتقع في‬ ‫حفرة السرد، حتى تصيبك اللعنة التي أصابتها!‬ ‫ها هي قد جــاءت، تحمل بين يديها كوبا من الحليب‬ ‫ً‬ ‫الممز