aldoha magazine N 75 | Page 74

‫فرانز كافكا‬ ‫ترجمة - الدسوقي فهمي‬ ‫الحيوان في المعبد‬ ‫فــي معبدنــا يعيــش حيــوان فــي حجم‬ ‫النمــس، وباســتطاعة المــرء غالبــا أن‬ ‫ً‬ ‫يــراه رؤية العين، ألنه يتيح للناس أن‬ ‫يقتربوا منه لمسافة مترين. لونه أزرق‬ ‫مخضر حائــل. لم يلمس أحد قط فروته‬ ‫ّ‬ ‫حتى اآلن، وعلى هذا فال شيء يمكن أن‬ ‫يقال عنها، ويمكن للمرء على األغلب أن‬ ‫ُ‬ ‫يذهب إلى حد التأكيد بأن اللون الحقيقي‬ ‫ّ‬ ‫لفرائــه غير معــروف، وربما كان اللون‬ ‫الــذي يراه المرء قد نتج فقط عن التراب‬ ‫والطيــن اللذين أطفأا لــون فروته. وإن‬ ‫اللون حقا ليشــبه لــون طالء المعبد من‬ ‫ً‬ ‫الداخــل، وإن يكــن، فقــط، أفتــح منــه‬ ‫قليــ ً. وبصرف النظر عــن الجبن الذي‬ ‫ا‬ ‫يتصــف به، فهو حيــوان هادئ بصورة‬ ‫ّ‬ ‫غيــر معتادة وذو عادات مســتقرة؛ فلو‬ ‫ّ‬ ‫لم يتعرض لإلزعــاج الزائد غالب ً، فإنه‬ ‫ا‬ ‫َّ‬ ‫نــادرًا ما كان ليوجد في هذا المكان على‬ ‫اإلطــاق، ذلــك أن مــأواه المفضــل هو‬ ‫َّ‬ ‫ذلك الحاجز المتشابك الذي يحجز قسم‬ ‫النساء.‬ ‫وبمتعة بادية ينشــب مخالبه في داخل‬ ‫عيون الشبك المشغول، متمددًا ومحدقا‬ ‫ِّ ً‬ ‫ِّ‬ ‫بنظرتــه المطرقــة إلــى داخــل القاعــة‬ ‫الرئيســية؛ كان يبــدو أن هــذا الوضــع‬ ‫ّ‬ ‫الجريء يبعث فيه السرور؛ إال أن خادم‬ ‫المعبد كانــت قد وجهت إليــه التعليمات‬ ‫ُ ِّ‬ ‫بــأال يتغاضى عن وجــود الحيوان عند‬ ‫الحاجز الشبكي، ألنه سوف يعتاد على‬ ‫47‬ ‫المــكان، وال يمكن الســماح بذلك بســبب‬ ‫النســاء الخائفات من الحيــوان. أما لماذا‬ ‫هن خائفات، فالسبب ليس واضح ً.‬ ‫ا‬ ‫حقــا إنــه للوهلــة األولــى يبــدو مخيف ً،‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫وبصفــة خاصة عنقه الطويــل، ووجهه‬ ‫ّ‬ ‫المثلث، وصف األسنان العليا التي تبرز‬ ‫إلى الخــارج بصورة تكاد تكــون أفقية،‬ ‫وفــوق الشــفة العليا خط من الشــعيرات‬ ‫ّ‬ ‫الشــاحبة الطويلة البادية الخشونة التي‬ ‫تمتد إلى أبعد حتى من األســنان. كل هذا‬ ‫ّ‬ ‫ا ّ‬ ‫قد يكون مخيف ً، إال أن المرء ال يســتغرقه‬ ‫الوقــت طويــا حتى يدرك إلــى أي حد ال‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫يبــدو هــذا الرعب الظاهــري كّــه مؤذي ً.‬ ‫ا‬ ‫ل‬ ‫وفوق هذا، فإنه يبقى مبتعدًا عن البشر،‬ ‫إنه أكثر فزعا مــن حيوان الغابة، ويبدو‬ ‫ً‬ ‫أنه ال يرتبط فحســب سوى بالمبنى، وال‬ ‫ّ‬ ‫شــك أن سوء طالعه الخاص قد تمّل في‬ ‫ث‬ ‫كون هــذا المبنــى هو معبد يهــودي، أي‬ ‫أنه مكان يكــون ممتلئا أحيانــا بالناس.‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫فلــو كان قد أمكن- فحســب- أن يتواصل‬ ‫المــرء مــع الحيــوان، ألمكنــه بالطبــع،‬ ‫أن يعزيــه بأن يخبره بأن شــعب المعبد‬ ‫ِّ‬ ‫فــي مدينتنــا الصغيــرة هذه فــي الجبال‬ ‫يتضــاءل عــدده عامــا بعــد عــام، وأنــه‬ ‫ً‬ ‫يواجــه بالفعل صعوبة فــي توفير المال‬ ‫لصيانة المعبد، وأنه ليس من المستحيل‬ ‫إمكان أن يتحــول المعبد قبل وقت طويل‬ ‫َّ‬ ‫إلى شــونة للغالل، أو إلى شيء من هذا‬ ‫القبيــل، وســيحصل عندئذ على الســام‬ ‫الذي يفتقده اآلن بمرارة بالغة.‬ ‫وللتأكيــد، فــإن النســاء وحدهــن هــن‬ ‫ّ ّ‬ ‫ّ‬ ‫الخائفــات من الحيوان، فقــد كف الرجال‬ ‫عن االكتراث بأمره منذ وقت طويل. وهو‬ ‫مــا بينــه جيل للجيل اآلخر، فلقد شــوهد‬ ‫ّ‬ ‫المــرة بعــد المــرة، وبحلول ذلــك الزمن‬ ‫لــم يعد أي شــخص يبــدد اهتمامه بإلقاء‬ ‫ِّ‬ ‫نظره عليه؛ وحتــى األطفال- وإلى اآلن‬ ‫وهــم يرونه للمرة األولــى- ال يبدون أية‬ ‫دهشــة. لقــد أصبــح هــو ذلــك الحيوان‬ ‫الــذي ينتمي إلى المعبــد؛ فلماذا ال يكون‬ ‫للمعبــد حيــوان أليف خاص بــه ال يوجد‬ ‫فــي أي مــكان آخــر؟ فلــو لــم يكــن األمر‬ ‫َّق بالنســاء مــا كان المرء ليعي اآلن‬ ‫يتعل‬ ‫مطلقا وجود الحيوان بسهولة. لكن حتى‬ ‫ً‬ ‫النســاء لســن خائفات حقا من الحيوان،‬ ‫ً‬ ‫فســيكون األمر بالــغ الغرابــة بالفعل إن‬ ‫واصل المرء خوفه من مثل ذاك الحيوان‬ ‫يومــا بعــد يــوم، لســنوات ولعقــود من‬ ‫ً‬ ‫الســنين. وعذرهن هــو أن الحيوان عادة‬ ‫ّ‬ ‫أكثــر قربا منهــن عنه من الرجــال، وهذا‬ ‫ً‬ ‫حق. إن الحيــوان ال يجرؤ علي أن يهبط‬ ‫إلــي حيث يكون الرجال، فهــو لم ير بعد‬ ‫َُ‬ ‫حتى اآلن فــوق األرضية. فلو كان قد تم‬ ‫ّ‬ ‫منعه من بلوغ الحاجز الشبكي لمقصورة‬ ‫النســاء. فإنــه يريد عندئذ علــى األقل أن‬ ‫يكــون على االرتفاع نفســه فوق الحائط‬ ‫المقابل. فهناك وفوق إفريز ضيق للغاية‬ ‫ٍّ‬ ‫ال يــكاد يبلغ البوصتين اتســاع ً، ويمتد‬ ‫ا‬ ‫ّ‬ ‫حول ثالثة مــن جوانب المعبــد اليهودي‬ ‫كان الحيــوان معتــادًا أحيانــا علــى أن‬ ‫ً‬ ‫يمرق منطلقا جيئة وذهاب ً، لكن غالبا ما‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ً‬ ‫يجلس في هدوء متكورًا فوق بقعة معينة‬ ‫ِّ‬ ‫في مواجهة النساء. ويكاد يكون من غير‬ ‫المفهوم كيف استطاع بمثل هذه السهولة‬