فرانز كافكا
ترجمة - الدسوقي فهمي
الحيوان في المعبد
فــي معبدنــا يعيــش حيــوان فــي حجم
النمــس، وباســتطاعة المــرء غالبــا أن
ً
يــراه رؤية العين، ألنه يتيح للناس أن
يقتربوا منه لمسافة مترين. لونه أزرق
مخضر حائــل. لم يلمس أحد قط فروته
ّ
حتى اآلن، وعلى هذا فال شيء يمكن أن
يقال عنها، ويمكن للمرء على األغلب أن
ُ
يذهب إلى حد التأكيد بأن اللون الحقيقي
ّ
لفرائــه غير معــروف، وربما كان اللون
الــذي يراه المرء قد نتج فقط عن التراب
والطيــن اللذين أطفأا لــون فروته. وإن
اللون حقا ليشــبه لــون طالء المعبد من
ً
الداخــل، وإن يكــن، فقــط، أفتــح منــه
قليــ ً. وبصرف النظر عــن الجبن الذي
ا
يتصــف به، فهو حيــوان هادئ بصورة
ّ
غيــر معتادة وذو عادات مســتقرة؛ فلو
ّ
لم يتعرض لإلزعــاج الزائد غالب ً، فإنه
ا
َّ
نــادرًا ما كان ليوجد في هذا المكان على
اإلطــاق، ذلــك أن مــأواه المفضــل هو
َّ
ذلك الحاجز المتشابك الذي يحجز قسم
النساء.
وبمتعة بادية ينشــب مخالبه في داخل
عيون الشبك المشغول، متمددًا ومحدقا
ِّ ً
ِّ
بنظرتــه المطرقــة إلــى داخــل القاعــة
الرئيســية؛ كان يبــدو أن هــذا الوضــع
ّ
الجريء يبعث فيه السرور؛ إال أن خادم
المعبد كانــت قد وجهت إليــه التعليمات
ُ ِّ
بــأال يتغاضى عن وجــود الحيوان عند
الحاجز الشبكي، ألنه سوف يعتاد على
47
المــكان، وال يمكن الســماح بذلك بســبب
النســاء الخائفات من الحيــوان. أما لماذا
هن خائفات، فالسبب ليس واضح ً.
ا
حقــا إنــه للوهلــة األولــى يبــدو مخيف ً،
ا
ً
وبصفــة خاصة عنقه الطويــل، ووجهه
ّ
المثلث، وصف األسنان العليا التي تبرز
إلى الخــارج بصورة تكاد تكــون أفقية،
وفــوق الشــفة العليا خط من الشــعيرات
ّ
الشــاحبة الطويلة البادية الخشونة التي
تمتد إلى أبعد حتى من األســنان. كل هذا
ّ
ا ّ
قد يكون مخيف ً، إال أن المرء ال يســتغرقه
الوقــت طويــا حتى يدرك إلــى أي حد ال
ً
ّ
يبــدو هــذا الرعب الظاهــري كّــه مؤذي ً.
ا
ل
وفوق هذا، فإنه يبقى مبتعدًا عن البشر،
إنه أكثر فزعا مــن حيوان الغابة، ويبدو
ً
أنه ال يرتبط فحســب سوى بالمبنى، وال
ّ
شــك أن سوء طالعه الخاص قد تمّل في
ث
كون هــذا المبنــى هو معبد يهــودي، أي
أنه مكان يكــون ممتلئا أحيانــا بالناس.
ً
ً
فلــو كان قد أمكن- فحســب- أن يتواصل
المــرء مــع الحيــوان، ألمكنــه بالطبــع،
أن يعزيــه بأن يخبره بأن شــعب المعبد
ِّ
فــي مدينتنــا الصغيــرة هذه فــي الجبال
يتضــاءل عــدده عامــا بعــد عــام، وأنــه
ً
يواجــه بالفعل صعوبة فــي توفير المال
لصيانة المعبد، وأنه ليس من المستحيل
إمكان أن يتحــول المعبد قبل وقت طويل
َّ
إلى شــونة للغالل، أو إلى شيء من هذا
القبيــل، وســيحصل عندئذ على الســام
الذي يفتقده اآلن بمرارة بالغة.
وللتأكيــد، فــإن النســاء وحدهــن هــن
ّ ّ
ّ
الخائفــات من الحيوان، فقــد كف الرجال
عن االكتراث بأمره منذ وقت طويل. وهو
مــا بينــه جيل للجيل اآلخر، فلقد شــوهد
ّ
المــرة بعــد المــرة، وبحلول ذلــك الزمن
لــم يعد أي شــخص يبــدد اهتمامه بإلقاء
ِّ
نظره عليه؛ وحتــى األطفال- وإلى اآلن
وهــم يرونه للمرة األولــى- ال يبدون أية
دهشــة. لقــد أصبــح هــو ذلــك الحيوان
الــذي ينتمي إلى المعبــد؛ فلماذا ال يكون
للمعبــد حيــوان أليف خاص بــه ال يوجد
فــي أي مــكان آخــر؟ فلــو لــم يكــن األمر
َّق بالنســاء مــا كان المرء ليعي اآلن
يتعل
مطلقا وجود الحيوان بسهولة. لكن حتى
ً
النســاء لســن خائفات حقا من الحيوان،
ً
فســيكون األمر بالــغ الغرابــة بالفعل إن
واصل المرء خوفه من مثل ذاك الحيوان
يومــا بعــد يــوم، لســنوات ولعقــود من
ً
الســنين. وعذرهن هــو أن الحيوان عادة
ّ
أكثــر قربا منهــن عنه من الرجــال، وهذا
ً
حق. إن الحيــوان ال يجرؤ علي أن يهبط
إلــي حيث يكون الرجال، فهــو لم ير بعد
َُ
حتى اآلن فــوق األرضية. فلو كان قد تم
ّ
منعه من بلوغ الحاجز الشبكي لمقصورة
النســاء. فإنــه يريد عندئذ علــى األقل أن
يكــون على االرتفاع نفســه فوق الحائط
المقابل. فهناك وفوق إفريز ضيق للغاية
ٍّ
ال يــكاد يبلغ البوصتين اتســاع ً، ويمتد
ا
ّ
حول ثالثة مــن جوانب المعبــد اليهودي
كان الحيــوان معتــادًا أحيانــا علــى أن
ً
يمرق منطلقا جيئة وذهاب ً، لكن غالبا ما
ا
ً
ً
يجلس في هدوء متكورًا فوق بقعة معينة
ِّ
في مواجهة النساء. ويكاد يكون من غير
المفهوم كيف استطاع بمثل هذه السهولة