CURATOR ' S CUT
، كلّ مكان. ألا يتج ىلّى ذلك في أعمال فنية كثيرة ومن أبرزها ، علّى سبيل المثال لوحة“ غيرنيكا” لبيكاسو ؟ فهذه اللوحة التي رسمها الفنان سنة ، 1937 ردّاً علّى قصف مدينة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية ، هي أحد أكثر الأمثلة كثافة ووضوحاً في العلاقة بين الواقع والفنّ ، وفي تحويل حدثٍ محليّ إلى صرخة كونيّة. وهذا العمل الفني لم يكن توثيقاً للحدثٍ ، بل إعادة صياغته في لغة رمزية وجدت صدى في العالم أجمع ، وصارت أيقونة تواجه أهوال الحروب
. وأثرها في الجسد والروح
في هذا السياق ، ننظر إلى صور رندا ميرزا: كلّ صورة منها عينٌ تكشف العنف وآثاره. فهي لا تتحدّثٍ عن القصف وعن عدد الضحايا ، بل عن معنى أن يُقصَ ف الإنسان ، ويُدمّر البيت الذيّ يأويه ويأويّ عائلته. هكذا يضع الفنُ الحدثََ في فضاء يصبح فيه الألم إنسانيّاً ، يتجاوز كلّ حدود. يصبح أيضاً فعلَ مقاومة ، وفق حديث الفنّانة. حين تتحوّل صورة الهدم إلى عمل فنّي ، لا تعود تسجيلاً للخراب ، بل تصبح مسافة للتأمّل. وهنا بالضبط يحدثٍ التحوُل: من صدمة عمياء إلى رؤية. الفنّ لا يخفّف من قسوة الهدم ، بل يجعله قابلاً للتفكير ، ويفتح الباب أمام الأسئلة: ماً الذي يجعلٌ الإنساًن قاًدراً على التدمير ؟ كيف يصبح التقدّ م أداةً للخراب ؟ وماً المعنى الذي يبقى حين يسود العنف ويصبح اللغةٌ الوحيدة الممكنةٌ ؟
في صور رندا ميرزا ، لا يظهر العنف بوصفه حدثًا مرتبطاً باللحظة الآنيّة. إنه قوّة ممتدّة تعيش في الأشياء: في الجدران المتآكلة ، في الفراغات التي كانت
مأهولة ، في التفاصيل الصغيرة التي تحمل ذاكرة ما انكسّر ، وفي هشاشة الواقع. حيث يبدو كلّ شيء قائماً علّى حافة الانهيار
، مع ذلك ، لا يقول الفنّ ما حدثٍ ، بل ما يمكن أن يحدثٍ دائماً ، لأن آثار العنف حين لا تُفهم ، قابلة لأن تتكرّر. ولذلك فهو ، في هذه الحال ، يحرّضنا علّى اتخاذ موقف ، ويدعونا إلى رفضٍ السقوط في ذلك النوع من اليأس الذيّ يتحوّل إلى
، استسلام صامت. كأنه يقول لنا: ثمّّة دائماً أمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة. وثمّّة احتمال آخر لم يُجرّب بعد
لا تنتمي رندا ميرزا إلى خطّ التوثيق الصحفي المباشر ، بل إلى ما يمكن تسميته بالتصوير الذيّ يفكّر في الذاكرة والعنف. ومن هذا المنطلق ، يمكن مقاربتها
، مع عدد من المصوّرين العالميين الذين اشتغلوا علّى الأثر لا علّى الحدثٍ ومن هؤلاء ، جوزيف كوديلكا الذيّ يعدّ أحد أبرز المصوّرين المعاصرين ، وهو فرنسي من أصل تشيكي ، صوّر آثار الحروب والصراعات في مدن عدّة ، منها مدينة بيروت التي زارها في بدايات الحرب الأهلية ، والتقط صوراً تُعدّ من أكثر الشهادات البصرية كثافة عن تلك المرحلة. بيروت عند كوديلكا ليست فقط مدينة في حرب ، بل مكان يعيش انهيار المعنى نفسه. وصوره لم تعرض الحرب
. مباشرة ، بل ركّزت علّى مشاهد ما بعد الخراب وما تفعله في الإنسان والوجود وهذا ما يجعله قريباً ، من حيث الرؤية ، من رندا ميرزا ، رغم اختلاف التجربة والسياق ، لا سيّما أنّ بيروت ، بالنسبة إليها ، تمثّل مشروعاً مستقلاً وفضاءً دائماً
. للتأمُل
رندا ميرزا ، مبنى دمّرته الغارات الجوية الإسرائيلية في جنوب لبنان عام 2024
54 MATAHEF ISSUE 03