Matahef_Issue 03 April 2026 | Page 54

CURATOR ' S CUT
، كلّ‏ مكان. ألا يتج ىلّى ذلك في أعمال فنية كثيرة ومن أبرزها ، علّى سبيل المثال لوحة“ غيرنيكا” لبيكاسو ؟ فهذه اللوحة التي رسمها الفنان سنة ، 1937 ردّاً‏ علّى قصف مدينة غيرنيكا خلال الحرب الأهلية الإسبانية ، هي أحد أكثر الأمثلة كثافة ووضوحاً‏ في العلاقة بين الواقع والفنّ‏ ، وفي تحويل حدثٍ‏ محليّ‏ إلى صرخة كونيّة. وهذا العمل الفني لم يكن توثيقاً‏ للحدثٍ‏ ، بل إعادة صياغته في لغة رمزية وجدت صدى في العالم أجمع ، وصارت أيقونة تواجه أهوال الحروب
. وأثرها في الجسد والروح
في هذا السياق ، ننظر إلى صور رندا ميرزا: كلّ‏ صورة منها عينٌ‏ تكشف العنف وآثاره. فهي لا تتحدّثٍ‏ عن القصف وعن عدد الضحايا ، بل عن معنى أن يُقصَ‏ ف الإنسان ، ويُدمّر البيت الذيّ‏ يأويه ويأويّ‏ عائلته. هكذا يضع الفنُ‏ الحدثََ‏ في فضاء يصبح فيه الألم إنسانيّاً‏ ، يتجاوز كلّ‏ حدود. يصبح أيضاً‏ فعلَ‏ مقاومة ، وفق حديث الفنّانة. حين تتحوّل صورة الهدم إلى عمل فنّي ، لا تعود تسجيلاً‏ للخراب ، بل تصبح مسافة للتأمّل. وهنا بالضبط يحدثٍ‏ التحوُل: من صدمة عمياء إلى رؤية. الفنّ‏ لا يخفّف من قسوة الهدم ، بل يجعله قابلاً‏ للتفكير ، ويفتح الباب أمام الأسئلة: ماً‏ الذي يجعلٌ‏ الإنساًن قاًدراً‏ على التدمير ؟ كيف يصبح التقدّ‏ م أداةً‏ للخراب ؟ وماً‏ المعنى الذي يبقى حين يسود العنف ويصبح اللغةٌ‏ الوحيدة الممكنةٌ‏ ؟
في صور رندا ميرزا ، لا يظهر العنف بوصفه حدثًا مرتبطاً‏ باللحظة الآنيّة. إنه قوّة ممتدّة تعيش في الأشياء: في الجدران المتآكلة ، في الفراغات التي كانت
مأهولة ، في التفاصيل الصغيرة التي تحمل ذاكرة ما انكسّر ، وفي هشاشة الواقع. حيث يبدو كلّ‏ شيء قائماً‏ علّى حافة الانهيار
، مع ذلك ، لا يقول الفنّ‏ ما حدثٍ‏ ، بل ما يمكن أن يحدثٍ‏ دائماً‏ ، لأن آثار العنف حين لا تُفهم ، قابلة لأن تتكرّر. ولذلك فهو ، في هذه الحال ، يحرّضنا علّى اتخاذ موقف ، ويدعونا إلى رفضٍ‏ السقوط في ذلك النوع من اليأس الذيّ‏ يتحوّل إلى
، استسلام صامت. كأنه يقول لنا: ثمّّة دائماً‏ أمل حتى في أكثر اللحظات ظلمة. وثمّّة احتمال آخر لم يُجرّب بعد
لا تنتمي رندا ميرزا إلى خطّ‏ التوثيق الصحفي المباشر ، بل إلى ما يمكن تسميته بالتصوير الذيّ‏ يفكّر في الذاكرة والعنف. ومن هذا المنطلق ، يمكن مقاربتها
، مع عدد من المصوّرين العالميين الذين اشتغلوا علّى الأثر لا علّى الحدثٍ‏ ومن هؤلاء ، جوزيف كوديلكا الذيّ‏ يعدّ‏ أحد أبرز المصوّرين المعاصرين ، وهو فرنسي من أصل تشيكي ، صوّر آثار الحروب والصراعات في مدن عدّة ، منها مدينة بيروت التي زارها في بدايات الحرب الأهلية ، والتقط صوراً‏ تُعدّ‏ من أكثر الشهادات البصرية كثافة عن تلك المرحلة. بيروت عند كوديلكا ليست فقط مدينة في حرب ، بل مكان يعيش انهيار المعنى نفسه. وصوره لم تعرض الحرب
. مباشرة ، بل ركّزت علّى مشاهد ما بعد الخراب وما تفعله في الإنسان والوجود وهذا ما يجعله قريباً‏ ، من حيث الرؤية ، من رندا ميرزا ، رغم اختلاف التجربة والسياق ، لا سيّما أنّ‏ بيروت ، بالنسبة إليها ، تمثّل مشروعاً‏ مستقلاً‏ وفضاءً‏ دائماً‏
. للتأمُل
رندا ميرزا ، مبنى دمّرته الغارات الجوية الإسرائيلية في جنوب لبنان عام 2024
54 MATAHEF ISSUE 03