Matahef Fall 2026, First Anniversary - A Double Issue Issue 5 | Page 110

IN FOCUS

”

نموذجان متقابلان: الواجهة الرسمية والمجموعة الخاصة
يُعدّ‏ متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر ، الذي افتُتح في الرباط سنة ، 2014 الرمز الأبرز لهذا التوجه. فمن خلال هندسته المعمارية ومجموعاته ومعارضه المتعددة ، يعكس إرادة واضحة لمنح الفن المغربي حضوراً‏ أكبر وإدماجه في شبكة التبادلات مع الساحات الفنية العربية والإفريقية والعالمية. كما يسعى ، عبر برامجه التربوية وفضاءات اللقاء التي يتيحها ، إلى تجاوز الصورة النمطية للمتحف بوصفه فضاءً‏ حكرًا على المتخصصين وهواة جمع التحف ، فيجعل من الانفتاح على جمهور واسع
. مسألة مركزية في هويته
الذي افتُتح في ،) MACAAL( أما متحف الفن الإفريقي المعاصر المعدن مراكش سنة ، 2016 فيقوم على مجموعة غنية سابقة لوجوده. فالمتحف
التي تأسست بدعم) Alliances(” ثمرة مبادرة مؤسسة مجموعة“ أليانس من المجموعة العقارية المغربية التي أسسها المهندس ورجل الأعمال علمي لزرق سنة. 1994
وقد انطلق هذا المتحف من مجموعة خاصة بدأت تتكوّن منذ ثمانينيات القرن العشرين حتى تجاوزت اليوم ألفي عمل فني. وتضم هذه المجموعة أعمالاً‏ لرواد الحداثة المغربية ، من أمثال أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية والجيلالي الغرباوي ومحمد المليحي والشعيبية طلال ، إلى جانب فنانين أفارقة
. مثل شيري سامبا وعبد الله كوناتي وبيلي زانغيوا
يجمع متحف الفن الإفريقي المعاصر المعدن بين ثلاثة أبعاد متداخلة. فهو أولاً‏ متحف منبثق عن مجموعة خاصة ، وهو ثانيًا امتداد لمؤسسة اقتصادية تستثمر في الرأسمال الرمزي والفني للثقافة المغربية ، وهو ثالثًا مشروع يطمح إلى أن يكون منصة للفن الإفريقي المعاصر. وهكذا يبدو متحف الفن الإفريقي المعاصر المعدن ومتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر
. كأنهما وجهان يتكاملان فيما بينهما

”

لم يقتصر التحوُّل على إنشاء مؤسسات جديدة ، بل شمل طريقة التفكير في المتحف ذاته
طنجة وأكادير: إعادة تأهيل المباني وكتابة تاريخ الحداثة
إذا كانت تجربتا الرباط ومراكش قد اعتمدتا على بنايات حديثة أو مشاريع مستقلة ، فإن المؤسسة الوطنية للمتاحف اختارت في مدن أخرى منطقًا مختلفًا. فقد أعادت تأهيل مبانٍ‏ ذات قيمة تاريخية ومنحتها وظيفة فنية
. جديدة ، فأصبح المبنى نفسه جزءًا من الحكاية المعروضة
تقدّم طنجة المثال الأوضح على ذلك ، إذ تحتضن متحفين يشتغلان وفق
. هذا المنطق. الأول هو متحف القصبة ، الذي يشغل السجن القديم للقصبة وقد شُ‏ يّد هذا السجن في القرن السابع عشر ضمن مركّب دار المخزن ، وظل مستعملاً‏ إلى بداية سبعينيات القرن العشرين ، قبل أن يُحوَّل إلى فضاء للعرض تبلغ مساحته نحو 1225 مترًا مربّعً‏ ا. انطلق في تسعينيّات القرن الماضي ، وجُدِّد في كانون الأول / ديسمبر. 2021 ويستند المتحف إلى نواة صغيرة من الأعمال وهبتها وزارة الثقافة ، شكّلت إحدى أولى اللبنات في تكوين مجموعة عمومية للفن الحديث والمعاصر في المغرب. وأُضيفت إليه ، في حلّته الجديدة ، مهمة تنظيم معارض مؤقتة تولي اهتمامً‏ ا خاصًّ‏ ا للإبداع الفني في
. شمال المغرب
، وعلى بُعد مسافة قصيرة ، في حي مرشان المطل على مضيق جبل طارق تحولت فيلا هاريس إلى متحف افتُتح في مارس. 2021 وقد شيّد هذه الفيلا في نهاية القرن التاسع عشر والتر بورتون هاريس ، الصحفي والمستكشف
» البريطاني الذي حلّ‏ في طنجة سنة 1887 وأصبح مراسلاً‏ لصحيفة « التايمز وأحد أبرز وجوه المدينة. ولا يكتفي المتحف بسرد تاريخ) The Times(
. المكان ، بل تستعرض مجموعته الدائمة قرنين من تاريخ الفن في المغرب
فهي تنسج صلات بين الفنانين الأجانب الذين جذبهم المغرب والأجيال
. المتعاقبة من الفنانين المغاربة الذين أسهموا في بناء الحداثة الفنية في البلاد ويقود هذا المتحف مباشرة إلى تجربة أكادير. فالرجل الذي وهب نواة مجموعة فيلا هاريس ، وهو رجل أعمال مغربي ، هو نفسه من وهب الجزء
وقد افتُتح هذا.) AMA( الأكبر من المجموعة الدائمة لمتحف أكادير للفن المتحف في 27 أبريل 2023 في مبنى تابع للجماعة الحضرية كان يضم سابقًا متحفًا للتراث المحلي. وتمت إعادة تهيئته في إطار برنامج التنمية
، الحضرية للمدينة ، بشراكة بين المجلس الجماعي ، وولاية جهة سوس-ماسة.) FNM( والمؤسسة الوطنية للمتاحف
وتكمن خصوصيته في وضع الأعمال الحديثة والمعاصرة في حوار مع رصيد تراثي جهوي يضم ، على الخصوص ، الحليّ‏ والسجاد. ويقوم هذا الحوار على افتراض أن هذه المشغولات الحرفية التقليدية شكّلت محفزات بصرية
. للفنانين الحداثيين والمعاصرين في المغرب غير أنّ‏ هذه الفكرة لا تغيّر كثيرًا من طريقة تقديم المجموعة. ففي أكادير كما في فيلا هاريس ، نجد قراءة كرونولوجية لتاريخ الفن المغربي ، تتجنّب طرح
. الإشكاليات وتكتفي بتعاقب الأجيال والأسماء
حين يصبح المتحف سردية للمدينة
يمتدّ‏ المنطق نفسه- أي إعادة توظيف التراث المعماري وبناء سردية موجهة إلى جمهور واسع- إلى مؤسسات لا تنتمي إلى الفن بالمعنى الدقيق ، ومن
، أبرزها متحف ذاكرة الدار البيضاء. فقد أُنشئ هذا المتحف في فيلا كارل فيكه وهي إقامة ذات طراز نيوكلاسيكي شُ‏ يّدت سنة 1913 لفائدة تاجر ألماني كان
، مستقرًّا في المدينة ، وعرفت وظائف متعددة قبل ترميمها. ويتتبّع المتحف عبر الأرشيفات والخرائط والصور الفوتوغرافية ، تطوُّر المدينة منذ نواتها الأولى حول الميناء إلى أن صارت حاضرة كبرى ، مبيّنًا كيف تشكّلت عبر تراكم
. تأثيرات متعددة وتقاليد محلية ومشاريع عمرانية وتحولات اجتماعية
لا تشكّل الوثائق المعروضة هنا مجرد مقتنيات ، بل عناصر في سردية حضرية متكاملة ، تعززها تجهيزات تفاعلية وأرشيفات سمعية بصرية تقيم علاقة مباشرة بين الزائر وتاريخ محيطه. ولعلّ‏ هذا المتحف يقدّم ، من خارج حقل الفن ، ما تفتقر إليه بعض متاحف الفن نفسها: سردية واضحة تمنح المعروضات معناها ، وتتيح لسكان مدينة الدار البيضاء استعادة ذاكرة مدينة
. يعرفونها جيّدًا من دون أن يعرفوا تاريخها معرفة كاملة
الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يتجاوز إنشاء متاحف جديدة إلى بناء شبكة متكاملة بين المؤسسات القائمة
يكشف هذا المسار العام أنّ‏ المغرب قطع خلال العقدين الأخيرين أشواطً‏ ا مهمة في بناء مشهد متحفي حديث ، انتقل فيه المتحف من فضاء لحفظ الماضي إلى مؤسسة تسعى إلى محاورة الحاضر. ويتجلى ذلك في تنوُّع المبادرات بين العمومي والخاص ، وفي توزيعها بين الرباط ومراكش وطنجة وأكادير والدار البيضاء ، وفي إعادة الحياة إلى مبانٍ‏ تاريخية كانت مهدّدة
. بالإهمال
ومن ثمّ‏ فإنّ‏ الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة يتجاوز إنشاء متاحف جديدة إلى بناء شبكة متكاملة بين المؤسسات القائمة. شبكة تسمح بتكوين مجموعات وطنية مرجعية ، وتدعم خبرات متخصصة في المحافظة والتنسيق الفني ، وتنتج قراءات نقدية تتجاوز التسلسل الكرونولوجي المبسط. وبقدر ما تنجح المتاحف المغربية في ذلك ، بقدر ما ستتحول من واجهات للإشعاع إلى فاعل حقيقي في كتابة تاريخ الفن المغربي وفي تحديد موقعه داخل المشهد
. العربي والإفريقي والعالمي
موليم العروسي مفكر وكاتب مغربي ، حاصل على دكتوراه الدولة في علم الجماليات من جامعة السوربون ، وأستاذ الفلسفة وعلم الجماليات في كلية الآداب والعلوم الإنسانية
، بالدار البيضاء. ترأس الجمعية المغربية لنقاد الفن ، وأشرف على تنظيم معارض فنية
. في معهد العالم العربي
56 MATAHEF ISSUE 05