Matahef Fall 2026, First Anniversary - A Double Issue Issue 5 | Page 107

IN FOCUS
والمنحوتات. ولا تقتصر قيمتهاعلى بعدها الجمالي ، بل توثق أنماط العيش
والمعتقدات وأشكال التفاعلات التي أسهمت في تشكيل تاريخ البلاد. كما يسعى المعرض الحالي إلى تغيير الخطاب المتحفي وتقديم قراءة أكثر شمولاً‏
لتاريخ المغرب ، مع إيلاء الاهتمام لمراحل كانت أقل حضورًا ، ومنها الفترة المورية. كما يحرص المتحف على تحيين محتواه في ضوء تطوّر الاكتشافات
. الأثرية
أما المتحف الأثري بتطوان ، فقد نشأ في سياق الحماية الإسبانية ، وافتُتح في مقرّه الحالي سنة. 1940 وترتبط غالبية مجموعاته بالحفريات الأثرية المنجزة منذ ثلاثينيات القرن العشرين في شمال المغرب ، ولا سيما في مواقع تمودا وليكسوس وكهف تحت الغار ومزورة والقصر الصغير. وأسهم عالم الآثار ميغيل تارّاديل إي ماتيو ، بعد توليه مسؤوليات البحث الأثري بالمنطقة ، في
إعادة تنظيم العرض وربط أقسامه بالمواقع التي جاءت منها القطع. ويضمّ‏ المتحف أدوات حجرية وبقايا بشرية وخزفًا وأمفورات ونقودًا وعناصر معمارية
وجنائزية وفسيفساء ، مما يجعله شاهدًا على تاريخ الاستيطان في شمال. المغرب وصلاته بالمجال المتوسطي
، وفي طنجة ، يحتلّ‏ متحف القصبة للثقافات المتوسطية قصر دار المخزن الذي حُوّل إلى متحف سنة. 1922 تكوّنت نواته الأولى من مجموعة إدوار ميشو بيلير ، قبل أن تتعزّز بمكتشفات طنجة ومحيطها. وأسهم لاحقًا عدد من الباحثين في تطوير المعرفة الأثرية بالمنطقة ؛ فجدّد ميشيل بونسيك العرض الإقليمي الذي افتُتح سنة ، 1959 بينما ارتبط أندري جودان بأبحاث أثرية مهمة ، من بينها دراسته لمغارات الخيل في منطقة أشقار. ويضم المتحف شواهد من عصور ما قبل التاريخ ، والفترتين المورية والرومانية ، والعهد الإسلامي ، إلى جانب مجموعة إثنوغرافية ، وتكمن خصوصيته في تقديم تاريخ
. طنجة ضمن شبكة من التقاطعات الثقافية المتوسطية في مدينة فاس ، يحتضن أحد القصور العلوية التاريخية متحف البطحاء للفنون الإسلامية. شُ‏ يّد القصر في عهد السلطان الحسن الأول ، واستُكمل في عهد السلطان مولاي عبد العزيز سنة ، 1897 قبل أن يتحوّل إلى متحف سنة. 1915 ويشكّل تصنيفه ضمن التراث الوطني سنة 1924 اعترافًا بقيمته التاريخية والمعمارية. يبرز العرض مختلف الروافد والمكوّنات التي تبلورت لتشكيل حضارة الغرب الإسلامي ، مع إبراز الروابط التاريخية والثقافية التي جمعت المغرب بالأندلس وبالمجال الإفريقي. وتضم المجموعات المعروضة مخطوطات ، وأدوات مرتبطة بالعلوم والمعارف التي تطورت خلال العصر الوسيط ، إلى جانب مجموعة من القطع التي توثّق نمط العيش ، من حلي وألبسة وأسلحة وعتاد وأدوات الاستعمال اليومي. وبذلك ، يسهم المتحف في وصل مختلف مراحل التاريخ المغربي وإبراز استمراريته ، مع تسليط الضوء على العصر الوسيط بوصفه مرحلة حاسمة في بناء الدولة ، وازدهار المدن
. والمؤسسات ، وتطور الإنتاج العلمي والفني
أما متحف أزيلال ، الذي افتُتح سنة ، 2023 فيجمع بين التراث الأثري والتاريخ الطبيعي والتراث الجيولوجي. ويخصص جزءًا أساسيًا من مساره لعرض التراث الجيولوجي لجيوبارك مكون. كما يضم لُقى أثرية وعناصر مرتبطة بالعمارة المحلية. وتكمن أهمية المتحف في كونه يربط بين أزمنة مختلفة من تاريخ المجال ؛ إذ يجمع بين الزمن الجيولوجي من جهة ، وتاريخ استقرار
. الإنسان ووجوده من جهة أخرى
لم يؤدّ‏ استقلال المغرب إلى انتقال إداري فحسب ، بل فتح باب التساؤل حول من يختار مواقع التنقيب ، ومن يفسر النتائج ويُؤَوِّلها ، وأين تُحفظ نتائج البحث ؟ ومع تولي الكفاءات والمؤسسات الوطنية مقاليد البحث ، تحوّل المتحف إلى ركيزة لتوثيق الذاكرة ، مبرزاً‏ تجذر الهوية ومكوناتها وتفاعلها
. التاريخي مع امتدادها الأفريقي ، الصحراوي ، المتوسطي والإسلامي وشكّل إنشاء“ المؤسسة الوطنية للمتاحف” سنة 2011 مرحلة جديدة في إدارة متاحف الدولة وتأهيل مبانيها والعناية بمجموعاتها وجردها وحفظها وتطوير الوساطة الثقافية. وسمح تجديد العروض بتعزيز حضور عصور ما قبل التاريخ والفترة المورية والمراحل الإسلامية إلى جانب التراث الروماني. الذي طالما هيمن على القراءة المتحفية
المتحف وإعادة قراءة التاريخ في ضوء الاكتشافات الأثرية الحديثة
تُواصل الحفريات الحديثة الكشف عن معطيات تُوسّ‏ ع معرفتنا بتاريخ
، المغرب وتُعيد النظر في سرديته. ففي محجرة طوما 1 في الدار البيضاء كشفت دراسة نُشرت سنة 2026 عن بقايا بشرية تعود إلى نحو 773 ألف سنة ، ولا تنتمي هذه البقايا إلى الإنسان العاقل ، بل إلى جماعة أقدم تجمع بين خصائص مورفولوجية بدائية وأخرى أكثر تطورًا ، بما يسهم في سد جزء من
الفراغ في السجل الأحفوري الأفريقي. يكتسي هذا الاكتشاف أهمية خاصة في ضوء معطيات بقايا جبل إيغود ، المؤرّخة بنحو 315 ألف سنة ، والتي أسهمت في إعادة النظر حول نشأة الإنسان العاقل ، ودعمت نموذجًا يرى أن تطوره ارتبط بمسار إفريقي واسع. وفي مغارة بزمون في منطقة الصويرة ، كُشف عن 33 صدفة بحرية مثقوبة ، مؤرّخة بنحو 142 ألف سنة. وهي تُعدّ‏ من أقدم الأدلة المعروفة على استخدام الحلي ، ويُرجّح ارتباطها بممارسات رمزية
. واجتماعية
ومن جهة أخرى ، كشفت الأبحاث في موقع وادي بهت عن مستوطنة واسعة ، تعود تقريبًا إلى الفترة بين 3400 و‎2900‎ ق. م ، ضمّت حفرًا عميقة للتخزين
وحبوبًا مزروعة ، وبقايا حيوانات مدجّنة ، وأدوات حجرية ، ورحى وخزف. وتشير
، كثافة منشآت التخزين إلى مجتمع مستقرّ‏ قادر على تنظيم الإنتاج الزراعي وليس إلى جماعات متنقلة تعتمد على موارد عابرة. وتعزّز نتائج موقع كشكوش هذه القراءة ؛ إذ كشفت عن مستوطنة امتدّ‏ وجودها تقريبًا من
1300 إلى 600 ق. م ، مارس سكانها الزراعة وتربية الحيوانات ، وشيدوا مساكن وحفروا مخازن. ومن بين مكتشفاتها قطعة برونزية مؤرّخة بين 1110 و‎920‎ ق. م ، تُعدّ‏ من أقدم شواهد استعمال هذا المعدن في شمال أفريقيا. تؤكد هذه المعطيات وجود مجتمعات محلية منظمة قبل وصول الفينيقيين ، بما يجعل
. حضورهم مرحلة من التبادل ، لا بداية للحياة الاجتماعية والزراعية
كما أبرزت دراسة المشهد الجنائزي والطقسي في شبه جزيرة طنجة صلات بين المدافن والنصب والرسوم الصخرية في المنطقة وجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية والمجالات الصحراوية ، بما يكشف مشاركة السكان في شبكات
. لتبادل الممارسات والرموز بين أفريقيا وأوروبا
تبدأ إعادة كتابة التاريخ داخل المتحف بالحفاظ على سياق القطعة الأثرية ؛ إذ يفقد العنصر قيمته العلمية إذا فُصل عن طبقتِه وموقعِ‏ كشفِه. لذا ، يجب ألاّ‏ تقتصر بطاقات العرض على ذكر التاريخ والمادة ، بل ينبغي أن تبيّن مكان العثور عليه ، ووظيفته ، وقيمته المعرفية. كما يتوجّب شرح المناهج العلمية المعتمدة للتحليل ، كالتأريخ بالكربون ، أو المغناطيسية الطبقية ، أو المسح الجغرافي ، أو تحليل بقايا العظام والنبات والحيوان ، بلغة مبسّ‏ طة ، لتوضيح كيفية بناء المعرفة الأثرية للمتلقي. تُظهر هذه المقاربة أنّ‏ التاريخ يتطوّر
باستمرار ؛ فتأريخٌ‏ حديث قد يغيّر عمر بقايا بشرية بمئات آلاف السنين ، مما يرسّ‏ خ لدى الزائر أنّ‏ مراجعة التاريخ نتاج طبيعي لتقدّم البحث وليست إنكاراً‏
. للمعرفة السابقة
كما يُسهم المتحف في تصحيح القراءات الاستعمارية التي همّشت أدوار المجتمعات المحلية لصالح الفترتين الفينيقية والرومانية. فقد أثبتت الأبحاث الحديثة أنّ‏ السكان المحليين مارسوا الزراعة ، واستقروا ، وطوّروا تقنيات الإنتاج والطقوس الجنائزية ، وشاركوا في شبكات التبادل قبل وصول المؤثرات الخارجية. ومن ثمّ‏ ، يجدر تقديم تاريخ المغرب كحاصل تفاعلٍ‏ نشط بين الفاعلين المحليين والمحيط الأفريقي والصحراوي والمتوسطي. ولا يعني
، إبراز الدور المحلي إنكار العلاقات الخارجية ، بل وضعها في إطار أكثر توازنًا يوضّ‏ ح كيف استقبل السكان بعض التقنيات والممارسات وأعادوا توظيفها
. داخل أنظمتهم الثقافية والاجتماعية
ولمواكبة هذا التطور ، يُمكن إدماج نتائج الحفريات الحديثة عبر معارض مؤقتة ، وخرائط تفاعلية ، ووسائط رقمية ، بالتعاون المستمر بين المتاحف والمؤسسات البحثية لنقل المعرفة من التقارير إلى القاعات. وبذلك يتحوّل المتحف إلى مؤسسة تُشارك في إنتاج المعنى ، لتغدو إعادة كتابة التاريخ
. ممارسة مستمرّة تجعل الذاكرة الجماعية أكثر دقة وانفتاحاً‏
.” رئيس قسم المتاحف في“ المؤسسة الوطنية للمتاحف: مقترحات عناوين وشروح فرعيّة
. أسهمت المتاحف الأثرية المغربية في قراءة تاريخ المغرب وتمثيله- إعادة كتابة التاريخ ممارسة مستمرّة تجعل الذاكرة الجماعيّة أكثر دقّة-
. وانفتاحاً‏ لم يؤدّ‏ استقلال المغرب إلى انتقال إداري فحسب ، بل فتح باب التساؤل- حول من يختار مواقع التنقيب ، ومن يفسّ‏ ر النتائج ويُؤَوِّلها وأين تُحفظ ؟ أثبتت الأبحاث الحديثة أنّ‏ السكان المحلّيين مارسوا الزراعة وشاركوا في-
. شبكات التبادل قبل وصول المؤثرات الخارجية
عبد العزيز الإدريسي قيّم مغربي ، أدار متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر في الرباط – 2025 ،) ويرأس حاليًا قسم المتاحف في المؤسسة الوطنية للمتاحف 2014(
54 MATAHEF ISSUE 05