Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 96

‫دراسات‬ ‫استعادة املاضي خلدمة احلاضر‬ ‫القايض عبد الجبار نفسه ضمن الطبقة التي أصبحت تحتل املرتبة الثانية عرشة، وهذا ما يدل عىل املكانة الرفيعة‬ ‫التي احتلها القايض بالنسبة لفكر االعتزال بشكل عام.‬ ‫ويف مقدمة كتابه يشري القايض إىل أنه قام بهذا العمل تلبية لدعوة امللك خورازم شاه (أبو العباس مأمون بن‬ ‫مأمون)، الذي كان آخر ملوك األرسة املأمونية التي حكمت خوارزم من عام 599 حتى عام 7101م. وقد عرفت‬ ‫هذه األرسة بتبني مذهب االعتزال حتى قام بعض من أتباع السلطان محمود الغزنوي (محمود بن سبكتكني)‬ ‫بقتل آخ ر ملوكهم امللك أبو العباس والسيطرة بذلك عىل خورازم (املصدر السابق، ص. 731). يشري فؤاد سيد‬ ‫إىل حالة العداء التي كانت موجودة لدى السلطان محمود الغزنوي تجاه املعتزلة إذ متثل ذلك عىل سبيل املثال‬ ‫باضطهاد املعتزلة وحرق كتبهم (نفس املصدر).‬ ‫إن حقيقة انهيار األرسة املأمونية عىل يد أتباع السلطان محمود وحالة العداء التي أظهرها تجاه املعتزلة هي‬ ‫نقاط أساسية لفهم كتابات القايض يف هذه الفرتة بالتحديد، ففي كتاب “فضل االعتزال وطبقات املعتزلة” يحاول‬ ‫القايض أن يرشح مهمته يف إعداد هذا الكتاب إذ يقول: “فرأيت الترسع إىل ذلك واجباً، ليعلم األمري السيد امللك‬ ‫العادل، أطال الله أيامه وحرس مكانه، أنه فيام متسك به، موافق للرسول عليه السالم واألمئة وأن من خالفه فهو‬ ‫مخالف لهم، وليك يأنس بكرثة موافقيه من العلامء فيثبت عند ذلك ما وضعته يف هذا الكتاب” (نفس املصدر،‬ ‫ص831). إن هذا اإلعالن الرصيح من القايض عبد الجبار يوضح العالقة بني الواقع الذي انطلق منه وبني العمل‬ ‫الذي قدمه والطريقة التي أدى بها هذا العمل. ويشري سليامن عيل مراد إىل أن األمر الذي دفع القايض إىل إمتام‬ ‫هذه العمل كان اهتاممه بالدفاع عن مذهب املعتزلة وخصوصا مبدأ العدل اإللهي، وقد لجأ إىل تضمني قامئة‬ ‫تضم شخصيات إسالمية بارزة وذلك بغية استعراض النسب واألصل الذي انتمت له املعتزلة (6002 ,‪.)Mourad‬‬ ‫قبل الخوض يف ما قدمه القايض عبد الجبار عن غيالن والطريقة التي صوره بها قد يكون من املفيد إيجاز‬ ‫بعض األفكار عن املعتزلة. ترجع بعض الدراسات نشأة املعتزلة إىل زمن الحسن البرصي وبالتحديد عندما ‘اعتزل’‬ ‫واصل بن عطاء (ت. 847) من حلقة الحسن، وتحدث عن موقفه تجاه عقوبة مرتكبي املعايص، إذ حدد ذلك‬ ‫بعبارة “منزلة بني املنزلتني”. إال أن فكر االعتزال وما يقوم عليه من معتقدات ومبادئ مل يتبلور إال الحقاً عندما‬ ‫نشأت فكرة ‘أهل العدل والتوحيد’ التي تشري إىل اإلميان بالعدالة اإللهية التي تعترب اإلنسان حرا ً مخريا ً ال يتم‬ ‫عقابه إال باالستناد إىل ما منحه الله من حرية يف اختيار أفعاله. وقد متت إضافة مبادئ أخرى هي مبدأ الوعد‬ ‫والوعيد ومبدأ املنزلة بني املنزلتني ومن ثم األمر باملعروف والنهي عن املنكر. يف الوقت الذي ارتبطت فيه جميع‬ ‫املبادئ الخمسة بفكر االعتزال يؤكد القايض عبد الجبار يف كتبه عىل أولوية مبديئ العدل والتوحيد.‬ ‫يأيت ذكر غيالن الدمشقي كأول اسم يف الطبقة الرابعة من طبقات املعتزلة التي صنفها القايض عبد الجبار،‬ ‫وذلك حتى قبل واصل بن عطاء. وإن أهم ما يلفت االنتباه يف الصورة التي عرضها عبد الجبار عن غيالن الدمشقي‬ ‫هو العالقة بني غيالن والخليفة عمر بن عبد العزيز، إذ تكتسب هذه العالقة أهمية كبرية وذلك الرتباط صفة‬ ‫العدل بالخليفة عمر الذي عرف بالخليفة العادل. وقد كان هذا محط انتباه القايض عبد الجبار عىل ما يبدو إذ‬ ‫حاول جاهدا َ أن يصور اإلعجاب واالحرتام اللذين أظهرهام الخليفة عمر تجاه غيالن. فيصور القايض حادثة دارت‬ ‫يف بالط الخليفة:‬ ‫“دخل غيالن عىل عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: مايل أراك مصفرا ً. قال: أوجاع وأسقام. قال: أقسمت‬ ‫عليك لتخربين. قال: يا أمري املؤمنني، آكل حالوة الدنيا فأجدها مرة فصغر قدرها واستوت عندي حجارتها وذهبها.‬ ‫وكأن الناس يساقون إىل الجنة وأنا أساق إىل النار. فقال عمر: من رسه أن ينظر إىل رجل قد وهب نفسه لله‬ ‫69‬ ‫العدد 0‬ ‫أيار / مايو ـ 4102‬