دراسات
استعادة املاضي خلدمة احلاضر
القايض عبد الجبار نفسه ضمن الطبقة التي أصبحت تحتل املرتبة الثانية عرشة، وهذا ما يدل عىل املكانة الرفيعة
التي احتلها القايض بالنسبة لفكر االعتزال بشكل عام.
ويف مقدمة كتابه يشري القايض إىل أنه قام بهذا العمل تلبية لدعوة امللك خورازم شاه (أبو العباس مأمون بن
مأمون)، الذي كان آخر ملوك األرسة املأمونية التي حكمت خوارزم من عام 599 حتى عام 7101م. وقد عرفت
هذه األرسة بتبني مذهب االعتزال حتى قام بعض من أتباع السلطان محمود الغزنوي (محمود بن سبكتكني)
بقتل آخ ر ملوكهم امللك أبو العباس والسيطرة بذلك عىل خورازم (املصدر السابق، ص. 731). يشري فؤاد سيد
إىل حالة العداء التي كانت موجودة لدى السلطان محمود الغزنوي تجاه املعتزلة إذ متثل ذلك عىل سبيل املثال
باضطهاد املعتزلة وحرق كتبهم (نفس املصدر).
إن حقيقة انهيار األرسة املأمونية عىل يد أتباع السلطان محمود وحالة العداء التي أظهرها تجاه املعتزلة هي
نقاط أساسية لفهم كتابات القايض يف هذه الفرتة بالتحديد، ففي كتاب “فضل االعتزال وطبقات املعتزلة” يحاول
القايض أن يرشح مهمته يف إعداد هذا الكتاب إذ يقول: “فرأيت الترسع إىل ذلك واجباً، ليعلم األمري السيد امللك
العادل، أطال الله أيامه وحرس مكانه، أنه فيام متسك به، موافق للرسول عليه السالم واألمئة وأن من خالفه فهو
مخالف لهم، وليك يأنس بكرثة موافقيه من العلامء فيثبت عند ذلك ما وضعته يف هذا الكتاب” (نفس املصدر،
ص831). إن هذا اإلعالن الرصيح من القايض عبد الجبار يوضح العالقة بني الواقع الذي انطلق منه وبني العمل
الذي قدمه والطريقة التي أدى بها هذا العمل. ويشري سليامن عيل مراد إىل أن األمر الذي دفع القايض إىل إمتام
هذه العمل كان اهتاممه بالدفاع عن مذهب املعتزلة وخصوصا مبدأ العدل اإللهي، وقد لجأ إىل تضمني قامئة
تضم شخصيات إسالمية بارزة وذلك بغية استعراض النسب واألصل الذي انتمت له املعتزلة (6002 ,.)Mourad
قبل الخوض يف ما قدمه القايض عبد الجبار عن غيالن والطريقة التي صوره بها قد يكون من املفيد إيجاز
بعض األفكار عن املعتزلة. ترجع بعض الدراسات نشأة املعتزلة إىل زمن الحسن البرصي وبالتحديد عندما ‘اعتزل’
واصل بن عطاء (ت. 847) من حلقة الحسن، وتحدث عن موقفه تجاه عقوبة مرتكبي املعايص، إذ حدد ذلك
بعبارة “منزلة بني املنزلتني”. إال أن فكر االعتزال وما يقوم عليه من معتقدات ومبادئ مل يتبلور إال الحقاً عندما
نشأت فكرة ‘أهل العدل والتوحيد’ التي تشري إىل اإلميان بالعدالة اإللهية التي تعترب اإلنسان حرا ً مخريا ً ال يتم
عقابه إال باالستناد إىل ما منحه الله من حرية يف اختيار أفعاله. وقد متت إضافة مبادئ أخرى هي مبدأ الوعد
والوعيد ومبدأ املنزلة بني املنزلتني ومن ثم األمر باملعروف والنهي عن املنكر. يف الوقت الذي ارتبطت فيه جميع
املبادئ الخمسة بفكر االعتزال يؤكد القايض عبد الجبار يف كتبه عىل أولوية مبديئ العدل والتوحيد.
يأيت ذكر غيالن الدمشقي كأول اسم يف الطبقة الرابعة من طبقات املعتزلة التي صنفها القايض عبد الجبار،
وذلك حتى قبل واصل بن عطاء. وإن أهم ما يلفت االنتباه يف الصورة التي عرضها عبد الجبار عن غيالن الدمشقي
هو العالقة بني غيالن والخليفة عمر بن عبد العزيز، إذ تكتسب هذه العالقة أهمية كبرية وذلك الرتباط صفة
العدل بالخليفة عمر الذي عرف بالخليفة العادل. وقد كان هذا محط انتباه القايض عبد الجبار عىل ما يبدو إذ
حاول جاهدا َ أن يصور اإلعجاب واالحرتام اللذين أظهرهام الخليفة عمر تجاه غيالن. فيصور القايض حادثة دارت
يف بالط الخليفة:
“دخل غيالن عىل عمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: مايل أراك مصفرا ً. قال: أوجاع وأسقام. قال: أقسمت
عليك لتخربين. قال: يا أمري املؤمنني، آكل حالوة الدنيا فأجدها مرة فصغر قدرها واستوت عندي حجارتها وذهبها.
وكأن الناس يساقون إىل الجنة وأنا أساق إىل النار. فقال عمر: من رسه أن ينظر إىل رجل قد وهب نفسه لله
69
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102