مراجعات كتب
ٌ
إيقاعاتٌ أدبية على أنغام سورية
تخيلية فنية.
فالذات الفنية األدبية من املفرتض أن تكون منفصلة عن الخارج لحظة اإلبداع، غري متصلة به إال وفق آلية
الصورة واملرآة، ألنها يجب أن تبقى عاكسة لصورة الخارج، ال أن يكون الخارج كام هو أحد مكونات أو أحد أجزاء
تلك الصورة. استقالل الذات األدبية التكوينية لحظة الكتابة رضورة حتى متتلك قدرة تحليلية فنية ملا هو متخارج
عنها، وليس مجرد تفسري وإخبار للواقع كام هو الحال يف النص اإلخباري، فكام ال يجوز أن تكون الفرضية جزءا ً
من الربهان، كذلك ال يجوز أن نفرس اليشء بنفسه، أو كام تخربنا األمثال الشعبية بذلك كالذي فرس املاء باملاء.
لذلك نجد أحياناً أن املشهد امللتقط ذو أهمية إخبارية وصفية أكرث منها تحليل فني متخيل، ويبدو النزوح إىل
افرتاضات من قبيل أن النص جاء كرضورة إلكامل ما يعجز عن إدراكه املتلقي، وإخباره مبا ال ميتلكه من الحقيقة،
عىل افرتاض مسبق بأن ذهنية املتلقي قارصة وعاجزة عن إدراك ما هو حقيقي، هو أمر يتبادر إىل ذهن املتلقي،
وهي من األمور املنفرة يف سياق تلقي الكتابة األدبية أكرث مام هي مشوقة.
ورمبا أكرث ما ميكن أن يدل عىل رؤيتنا تلك النصوص التي عنونت عىل الشكل التايل: ‘السكني من رفوف املطبخ
إىل أداة لنبش الذاكرة’، ‘تأمالت يف املعارضة’، ‘أكراد’، ‘محمد شيخو’، ‘مجنون الفيدرالية’، ‘اعرتافات سلفي مرتد’،
‘املسخ’. وهذا يؤكد ثانية حضور الثورة السورية وتفاعالتها بقوة عىل املشهد الكتايب كام أسلفنا سابقاً، وتغدو
الثورة السورية واجباً واقعياً، تتشارك إخبارياً مع مخيلة الكاتب، ألنها جزء من الحلم، وبالتايل جزء من املخيلة،
تشكل ماهية الحلم وتأسيسه الوجودي، والوقائع بعكس املتخيل تحتاج دامئاً إىل حوامل إخبارية أكرث منها حوامل
فنية أدبية.
اإلجابات اليقينية مقابل التساؤالت الظنية
سبق وأن أرشنا أن الكاتب يعالج من حيث الرؤية أسئلة وجودية كبرية، يحاول من خالل اإلجابة عليها خلخلة
السائد واملتعارف عليه، عرب طرح رؤية جديدة تحاول النظر إىل الوجود من زوايا غري مألوفة وأحياناً غري معروفة.
رغم ذلك نرى يف بعض األحيان انزياحاً باتجاه الجواب اليقيني أكرث من التساؤل الظني الذي قد يفيد أكرث من
األجوبة القطعية اليقينية يف حال تناول إشكاليات وجودية بهذا الحجم ومحاولة اخرتاق أويل لها.
كذلك نرى أحياناً إجابات دون اإلشارة حتى للسؤال املطروح، حتى أنه يف بعض األحيان تتحول صيغة السؤال
إىل جواب يقيني، فال نشهد استفهاماً يدل عىل السؤال رغم استخدام أدوات التساؤل، فالتساؤل يف كثري من
األحيان يأيت إلثبات ما يرمي إليه الكاتب دون ترك أصداء للشك.
ونقتبس من بعض ما جاء من النصوص كام يف نص ‘تأمالت يف املعارضة’ يقول الكاتب: “من يستطيع أن يفهم
رجل األمن الذي يعذب وهو يبيك! من سيفرس األلفة بني السجني والرصصور، من سيشعر بالسجني الذي كتب
عىل حائط املنفردة أملي أهلكني”. يف نص ‘تنظيم القاعدة’ يقول الكاتب: “كيف ملن يتذلل وينسحق ويذرف
دموعاً أمام الله يف املعبد أن يتسلط عىل الناس يف الشارع”. وهنا نجد أن املراد من التساؤل ليست اإلجابة، ألن
السؤال ال يحتمل إجابتني، هناك إجابة واحدة هي التي يريدها الكاتب، وال يجوز الخروج عنها، لذلك نجد غياب
إشارات االستفهام ألنها أقرب إىل اإلجابة منها للتساؤل كام أرشنا سابقاً.
64
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102