التدوين السوري وجدلية االلتصاق بالواقع
يف ضوء ذلك، فضّ ل عدد من املدونني السوريني تحويل مدوناتهم العامة القدمية إىل الجانب السيايس أو رصد
الجانب امليداين يف البالد مبوضوعية حرفية أو شخصانية ذاتية كام يف ‘مدونة مدينة’، ‘مدونة بال اسم’، ‘مدونة
مؤنس’، وقام آخرون بإغالق مدوناتهم العامة القدمية وافتتاح مدونات متخصصة بأسامء جديدة كبداية للتعبري
عن الواقع املعارص ‘مدونة خربشات’ تحولت إىل ‘مدونة آدم’ كام ارتأى البعض اآلخر االبتعاد عن تلك املعمعة
الخطرة نحو مواضيع بعيدة عن األزمة يف البالد لتتحول مدوناتهم إىل عامل خيايل من الخواطر واألفكار املنفصلة
عن الواقع واملعربة عن أحالم أصحابها بغد أفضل كام يف ‘خطر يف بايل’، ‘مرافئ النورس’، ‘قمر ال يكتمل’، وال
يتعدى النوع األخري امليكانيزمات الدفاعية النفسية املعتادة يف العقل البرشي عند األزمات عرب التجاهل أو
الهروب من الحقيقة.
املدونات األدبية كنوع من املدونات املتخصصة تشغل قسامً كبريا ً من اهتاممات السوريني أكرث من غريها إىل
حد ما، حيث باتت ملجأ دافئاً يف ظل تنامي صعوبات النرش محلياً وإقليمياً، وتعكس تلك املدونات ذات االنقسام
السابق بني الواقع والخيال، فبينام باتت الكتابات األدبية لبعض املدونني انعكاساً لحقيقة الحرب والترشد واللجوء
واملآيس اإلنسانية يف البالد كام يف ‘ماجدالينا’، و‘جرعة زائدة’ حافظت مدونات أخرى ولو جزئياً عىل خصوصيتها
كأدب قد يعكس خيال صاحبه فقط مبعزل عن تفاصيل املكان والزمان عرب مواضيع عن الحب والجسد واملوت
وغريها كام يف ‘بلوكة’، و‘فتات أيام’، والنوعان عموماً يبرشان بأقالم واعدة يف األدب املستقبيل برشط االستمرار
واالهتامم والحصول عىل الفرص للنرش والربوز.
االنفصال عن الواقع قد ال يكون سيئاً مثلام يبدو، بل هو رضوري إىل حد ما لالستمرار يف الحياة رغم الظروف
املحيطة كنوع من التحدي للموت املجاين يف البالد، فال ميكن تعميم الجانب السيايس فقط عىل الحياة ككل رغم
أهميته النسبية حالياً، بل تبقى هناك جوانب أخرى فنية وأدبية وسينامئية وشخصية تستحق تسليط الضوء عليها
من منظور مختلف، ويبقى ذلك مرهوناً باألهمية النسبية التي يراها املدون نفسه يف املواضيع املختلفة، ومن
هنا ال ميكن الحكم عىل التدوين من وجهة نظر املتلقي فقط ألنه ميثل يف األساس إشباعاً لحاجة املدون وحقه
الطبيعي يف التعبري عن نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة.
من جهة أخرى ال غنى للمجتمع عن التدوين امللتصق بالواقع من أجل كرس روتينية تدفق األنباء واملعلومات
عرب وسائل اإلعالم بأجنداتها السياسية املختلفة، إضافة لطرح الرؤى السياسية الخاصة مبختلف االتجاهات، وتربز
يف هذا اإلطار املدونات البعيدة عن االنقسامات السياسية يف سوريا اليوم التي تعارض كل ما يجري يف البالد
من قبل النظام واملعارضة والكتائب اإلسالمية املتشددة، كام ميكن القول أن األزمة يف البالد فتحت املجال أمام
املدونني لدخول عامل ‘صحافة املواطن’ باستحياء بنقلهم الواقع اليومي يف محيطهم الجغرايف وخاصة من النواحي
األمنية وامليدانية واملعيشية، بعدما كان ذلك النوع من التدوين محصورا ً بالدول الغربية.
جدلية االلتصاق بالواقع ال ميكن حسمها حتى من وجهة نظر أكادميية، حيث ترجع د. إميان عليوان، املحارضة
يف قسم اإلعالم بجامعة بريوت العربية، املسألة إىل طبيعة التدوين امللتصقة بشخصية صاحبها ومميزاته الفردية،
خاصة أن املدونات نشأت بداية كبديل افرتايض للمذكرات الشخصية قبل عرص الشبكات االجتامعية، لتتطور
املدونات فيام بعد إىل مساحة حرة للتعبري ال يشرتط فيها الحرفية اإلعالمية، ومن هنا ال ميكننا كجمهور عام أو
متخصص مطالبة املدونني االلتصاق بواقعهم أو تحميلهم مسؤوليات اجتامعية فوق طاقاتهم، كام ال ميكننا إطالق
صفات إعالميني أو صحافيني أو أدباء أو مفكرين عليهم إال إن كانوا كذلك يف الواقع، لتبقى شخصية املدون
وخصائصه الفردية هي العامل الحاسم يف تحديد طبيعة مدونته ومدى التصاقها بالواقع، سواء كان الواقع شديد
الشخصية بنطاق اجتامعي ـ جغ