Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 35

‫التدوين السوري وجدلية االلتصاق بالواقع‬ ‫يف ضوء ذلك، فضّ ل عدد من املدونني السوريني تحويل مدوناتهم العامة القدمية إىل الجانب السيايس أو رصد‬ ‫الجانب امليداين يف البالد مبوضوعية حرفية أو شخصانية ذاتية كام يف ‘مدونة مدينة’، ‘مدونة بال اسم’، ‘مدونة‬ ‫مؤنس’، وقام آخرون بإغالق مدوناتهم العامة القدمية وافتتاح مدونات متخصصة بأسامء جديدة كبداية للتعبري‬ ‫عن الواقع املعارص ‘مدونة خربشات’ تحولت إىل ‘مدونة آدم’ كام ارتأى البعض اآلخر االبتعاد عن تلك املعمعة‬ ‫الخطرة نحو مواضيع بعيدة عن األزمة يف البالد لتتحول مدوناتهم إىل عامل خيايل من الخواطر واألفكار املنفصلة‬ ‫عن الواقع واملعربة عن أحالم أصحابها بغد أفضل كام يف ‘خطر يف بايل’، ‘مرافئ النورس’، ‘قمر ال يكتمل’، وال‬ ‫يتعدى النوع األخري امليكانيزمات الدفاعية النفسية املعتادة يف العقل البرشي عند األزمات عرب التجاهل أو‬ ‫الهروب من الحقيقة.‬ ‫املدونات األدبية كنوع من املدونات املتخصصة تشغل قسامً كبريا ً من اهتاممات السوريني أكرث من غريها إىل‬ ‫حد ما، حيث باتت ملجأ دافئاً يف ظل تنامي صعوبات النرش محلياً وإقليمياً، وتعكس تلك املدونات ذات االنقسام‬ ‫السابق بني الواقع والخيال، فبينام باتت الكتابات األدبية لبعض املدونني انعكاساً لحقيقة الحرب والترشد واللجوء‬ ‫واملآيس اإلنسانية يف البالد كام يف ‘ماجدالينا’، و‘جرعة زائدة’ حافظت مدونات أخرى ولو جزئياً عىل خصوصيتها‬ ‫كأدب قد يعكس خيال صاحبه فقط مبعزل عن تفاصيل املكان والزمان عرب مواضيع عن الحب والجسد واملوت‬ ‫وغريها كام يف ‘بلوكة’، و‘فتات أيام’، والنوعان عموماً يبرشان بأقالم واعدة يف األدب املستقبيل برشط االستمرار‬ ‫واالهتامم والحصول عىل الفرص للنرش والربوز.‬ ‫االنفصال عن الواقع قد ال يكون سيئاً مثلام يبدو، بل هو رضوري إىل حد ما لالستمرار يف الحياة رغم الظروف‬ ‫املحيطة كنوع من التحدي للموت املجاين يف البالد، فال ميكن تعميم الجانب السيايس فقط عىل الحياة ككل رغم‬ ‫أهميته النسبية حالياً، بل تبقى هناك جوانب أخرى فنية وأدبية وسينامئية وشخصية تستحق تسليط الضوء عليها‬ ‫من منظور مختلف، ويبقى ذلك مرهوناً باألهمية النسبية التي يراها املدون نفسه يف املواضيع املختلفة، ومن‬ ‫هنا ال ميكن الحكم عىل التدوين من وجهة نظر املتلقي فقط ألنه ميثل يف األساس إشباعاً لحاجة املدون وحقه‬ ‫الطبيعي يف التعبري عن نفسه بالطريقة التي يراها مناسبة.‬ ‫من جهة أخرى ال غنى للمجتمع عن التدوين امللتصق بالواقع من أجل كرس روتينية تدفق األنباء واملعلومات‬ ‫عرب وسائل اإلعالم بأجنداتها السياسية املختلفة، إضافة لطرح الرؤى السياسية الخاصة مبختلف االتجاهات، وتربز‬ ‫يف هذا اإلطار املدونات البعيدة عن االنقسامات السياسية يف سوريا اليوم التي تعارض كل ما يجري يف البالد‬ ‫من قبل النظام واملعارضة والكتائب اإلسالمية املتشددة، كام ميكن القول أن األزمة يف البالد فتحت املجال أمام‬ ‫املدونني لدخول عامل ‘صحافة املواطن’ باستحياء بنقلهم الواقع اليومي يف محيطهم الجغرايف وخاصة من النواحي‬ ‫األمنية وامليدانية واملعيشية، بعدما كان ذلك النوع من التدوين محصورا ً بالدول الغربية.‬ ‫جدلية االلتصاق بالواقع ال ميكن حسمها حتى من وجهة نظر أكادميية، حيث ترجع د. إميان عليوان، املحارضة‬ ‫يف قسم اإلعالم بجامعة بريوت العربية، املسألة إىل طبيعة التدوين امللتصقة بشخصية صاحبها ومميزاته الفردية،‬ ‫خاصة أن املدونات نشأت بداية كبديل افرتايض للمذكرات الشخصية قبل عرص الشبكات االجتامعية، لتتطور‬ ‫املدونات فيام بعد إىل مساحة حرة للتعبري ال يشرتط فيها الحرفية اإلعالمية، ومن هنا ال ميكننا كجمهور عام أو‬ ‫متخصص مطالبة املدونني االلتصاق بواقعهم أو تحميلهم مسؤوليات اجتامعية فوق طاقاتهم، كام ال ميكننا إطالق‬ ‫صفات إعالميني أو صحافيني أو أدباء أو مفكرين عليهم إال إن كانوا كذلك يف الواقع، لتبقى شخصية املدون‬ ‫وخصائصه الفردية هي العامل الحاسم يف تحديد طبيعة مدونته ومدى التصاقها بالواقع، سواء كان الواقع شديد‬ ‫الشخصية بنطاق اجتامعي ـ جغ