Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Seite 133
العودة إىل املستقبل
بذلك نورا ً للذين يتسكعون يف ظلامت العرص حائرين ال يهتدون”(((. كان ذلك، فأخرج املودودي للعاملني مصطلح
‘الحاكمية’ الذي احتضنه فيام بعد سيد قطب (6091-6691) ورعاه أفضل رعاية، فنام املصطلح وترعرع وتفرع
ٌ
عنه جاهلية وتكفري وجهاد أعمى. حتى وصلنا اليوم إىل جامعات تتحدث عن آيات الحاكمية يف القرآن.
ٌ
ٌ
امللفت هنا أن كلمة ‘حاكمية’ التي باتت من مرتكزات الخطاب السيايس للحركات اإلسالمية املعارصة كام
‘الدولة اإلسالمية’ مل يرد ذكرها يف القرآن أو الحديث النبوي. إن عدنا أيضاً ملعاجم اللغة العربية لن نجد ذكرا ً
ْ
للمصطلح. يربط املودودي الحاكمية بالجذر اللغوي ‘حكم’ الذي جاء القرآن عىل ذكر اشتقاقاته أكرث من مائتي
مرة، لكن أياً منها ال يشري إىل تويل ومامرسة السلطة السياسية. غالبية االستخدامات تشري إما للحكمة والبصرية
والقدرة عىل متييز الحق من الباطل، أو إىل العلم والفقه والقضاء. و‘الحاكم’ يف معاجم اللغة هو القايض،
ففي أدبيات الحديث النبوي وفقهه كثريا ً ما يتطابق ‘الحكم’ و‘القضاء’ دومنا تفريق. فاملصطلح العريب والقرآين
املستخدم للداللة عىل الشأن السيايس هو ‘األمر’ والذي استمر مصدرا ً للنسبة إىل الدولة أو الحكومة حتى العهد
ِ
ٌ
العثامين، حيث استُخدمت صفة ‘األمريي’، التي حرفَت فيام بعد لـ ‘املريي’، للداللة عىل كل ما هو مرتبط بالسلطة
ُ ِّ ْ
(((
ً
ً
السياسية أو القطاع العام . يكتسب التحليل اللغوي السابق أهمية خاصة عند محاولة فهم النصوص القرآنية
املستخدمة لتربير دعوات تطبيق الرشيعة. فعىل سبيل املثال، أحد أكرث الشواهد الرشعية تكرارا ً يف كتابات
ٌ
املودودي وعىل ألسنة منظري اإلسالم السيايس املعارصين هي جملة من اآلية الرابعة واألربعني من سورة املائدة:
{ومن مل يحكم مبا أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. بالعودة ألسباب النزول يتضح أن املقصود ليس أمرا ً إلهياً يقيض
بتطبيق الرشيعة يف كل زمان ومكان، بل إن اآلية مقتطعة من سياق تاريخي يدور حول تحكيم الرسول يف خالف
ٌ
حول دفع الدية بني بني قريظة وبني النضري(((. ليس يف ذلك مجرد سوء فهمٍ أو خالف فقهي محدود األثر، بل
ُ
ٌ
إن ألوفاً دفعوا حيواتهم مثن تفسريات اآلية وسذاجة التعميم. فعندما سئل طارق الزمر، أحد األعضاء البارزين
ُ
يف جامعة الجهاد يف مرص، عن سنده الرشعي يف إطالق التكفري وإباحة االغتياالت، كان رده موجزا ً: الله عز وجل
{ومن مل يحكم مبا أنزل الله فأولئك هم الكافرون}(((.
بالعودة لالستخدام االصطالحي لـ‘الحاكمية’، فإن بناء الدولة االسالمية يستند إىل مبدأ الحاكمية الذي يعني
ِ
ُ
أن الرشيعة يجب أن تكون القانون األعىل يف الدولة. فتبعاً للمودودي، إن كان دخول الفرد اإلسالم يُستهل بنطق
ُ
َ
(((
شهادة أن ال إله إال الله، فإن دخول الدولة يف اإلسالم يكون بنطق دستورها لشهادة أن ال حاكمية إال لله .
فالحاكمية