Delta-N Journal مجلة دلتا نون May. 2014 | Page 104
دراسات
بني الشعر والفيس بوك
بني زمن كان الشعر فيه تاريخاً قامئاً بذاته يسجل الحرب، الحب، املرض، العلم، وزمن آخر أصبح فيه الشعر
محاوالت جاهدة للتعبري عن فكرة أو املطالبة بحق، محاوالت لرفع صوت الكلمة يف وجه الرصاصة. وهذا يؤكد
لنا ارتباط الكتابة كفكرة وأسلوب وتعبري بالواقع العام الذي يعيشه اإلنسان كام يؤكد أيضا تبدل أسلوب وواقع
النص حسب التبدل الحيايت الذي يعيشه الكاتب واملتلقي يف آن معاً. فلطاملا أثرت السياسة يف وقع الكلمة
ونهجها ولطاملا أثر العلم والتكنولوجيا بها أيضاً، إنها عرضة للتأثري والتأثر طاملا استمرت الكلمة والكتابة واإلنسان
يف الوجود.
عود عىل بدء فإننا نرى التباين بني املنابر املتعددة للكلمة. فمن ذلك الشاعر الذي كان يقول نصاً ومييض
وهو يدرك أن النص غدا محفوظاً يف أذهان سامعيه وال حاجة له للبحث عمن يحتفظ أو ما يحتفظ مبا قال، إىل
مرحلة التدوين، التي كان الشاعر فيها ينهك نفسه يف نحت الكلمة، ونحت منربها أيضاً، باحثاً عن ورق يحتفظ
له باختالجاته الداخلية، إىل مرحلة افتقدنا فيها ما هو ورقي وأصبح عىل الكلمة أن تكون رسيعة خفيفة تتناسب
مع مزاج متلقيها العاجل. فتصدرت املشهد أشكال جديدة من الشعر تتناسب وعرص الرسعة.
ما الدوافع التي أدت إىل بروز هذه األشكال الجديدة؟ مثة سؤال يتعلق بالزمن، فإذا كان الشعر فناً من الفنون
ُ
الزمانية من حيث هو لوحة لغوية تحرك األفعال تشكيلَها الزماين مع تفاعل إيحايئ للمكان وتأثريه يف ذات الشاعر
فهل نلمس أثرا ً للزمن الراهن برسعته الجنونية؟ وللمكان الذي بدأ يضيق حتى حدود اختناق شاغليه؟ هل لهام
أثر يف األدب بعامة والشعر بخاصة؟
تخلّص الشعر يف سريورته السابقة من كثري من ضوابطه كقافية ووزن ومطلع وخامتة لينتقل إىل الوزن الرسيع
الذي يتخفف قدر ما استطاع، لنصل إىل ما يسمى بالنص النرثي والذي يُطلق عليه اآلن اسم قصيدة النرث، ثم
لتصبح الومضة هي األكرث تناسباً مع املنابر املفتوحة للمتلقي والكاتب يف آن معا حيث أصبح الوقت ضيقاً عىل
حد تعبري الجميع فال يسمح بندوة أو محارضة أو أمسية أو ما كان من منابر للتعبري. فام هي تلك الومضة؟ ومن
أين أىت هذا املسمى لنص يكاد يضاهي أطول النصوص إبداعاً وتألقاً؟
الومضة هي صفة لهذا الشكل املقتبس أو املأخوذ أو املقلّد كشعر الهايكو الياباين أو املقطعات الشعرية
401
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102