aldoha magazine N 75 | Page 86

‫خلف سحب ثابتة ال تــتــحــرك، كأنها عين أبينا على‬ ‫ّ‬ ‫يومياتنا. وننتظر انزياحها عن سمائنا في جمعة البروز،‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫فال ندري أننتظر العربة المذهبة أم ضوء الشمس يغمر‬ ‫َّ‬ ‫عيوننا المثقلة؟. كّا نسمع ولكن ال نصدق شيئ ً، نسمع‬ ‫ا‬ ‫ن‬ ‫كثيرًا ونفهم قلي ً، وال نتذكر إال قليال مما نفهمه عن امتداد‬ ‫ال‬ ‫ً‬ ‫َّ‬ ‫«البراري» القريبة التي لم تزرها إال قلة من الهاربين من‬ ‫دون أن يعودوا بخبر. ومن «المجاري» يعود الجيالني‬ ‫ذات أربعاء ليتوسط جلسة الحشيش، ويرفض مشاركتنا‬ ‫ّ‬ ‫فنرفع حواجب الدهشة، يتساءل ملو ً:‬ ‫ال‬ ‫«أال يوجد في هذا الجبل إال الحشيش؟».‬ ‫ِ‬ ‫ويحرك السؤال الظهور المستندة على الحجر والتراب،‬ ‫ّ‬ ‫ََ‬ ‫فيقول عبد الصبور ناصح ً:‬ ‫ا‬ ‫ِ‬ ‫ـ «احمد ألبيك نعمة الحشيش فلوالها لمتنا من األرق».‬ ‫َُْ‬ ‫َّم وال يحذر واشي ً، صريح كصراحة‬ ‫ا‬ ‫وعبد الكريم يتكل‬ ‫ٌ‬ ‫ُِ‬ ‫هذا الظالم، يقول مفجرًا ما كان يسره سابقا على حذر:‬ ‫ً‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫ـ «غارقون في الظالم. ما بركات أبيكم إال لعنة صبها‬ ‫ّ‬ ‫َ ُ‬ ‫َ‬ ‫اهلل عليكم لذّكم».‬ ‫ُل‬ ‫وتختنق األنفاس في صدورنا، وتلمع عين عبد الصبور‬ ‫في ظــام الجلسة فنتوجس، ثم يصرح بنواياه التي‬ ‫ِ‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫نعرفها:‬ ‫ـ «بل عليك لعنة اهلل ولعنة أبيك، وما أراك إال غارقا في‬ ‫ً‬ ‫سواد «المجاري» غداً».‬ ‫ونصمت، ويصمت الجيالني احتراما لسّه وخوفا من‬ ‫ً ن‬ ‫ً‬ ‫وشايته، ولكني ألمحه صباحا في حفر التعب مارًا على‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫األجساد الهزيلة، يمد يمناه سليمة األصابع من جيبه،‬ ‫ّ‬ ‫فيلكز أكتاف عبد الكريم، وعبد السالم، والمهدي، والطالب،‬ ‫وينبهه شيطان شكه إلي فيتفحصني بارتياب وجل، ثم‬ ‫ٍ ِ‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُّ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫يوليني ظهره تاركا إياي لشعور مزعج. ويأتي البراحون‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫َ‬ ‫بعد سويعات الغفلة والغرق في الغبار، يتجولون ناشرين‬ ‫َّ‬ ‫أسماء الهاربين بين الدروب. وأبحث عنهم مساء فال أقف‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ِ‬ ‫لهم على أثر، وأسأل الصبية ال ّهين في األوحال من دون‬ ‫ال‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫فائدة. ولكنهم يذكرون أسماء الهاربين بإعجاب، فيزداد‬ ‫بحثي حماسة. وبمرور الساعات أعلم أن كثيرين غيرهم‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫اختفوا وكثيرين غيري يبحثون. أتذكر نظرات ارتياب‬ ‫ّ‬ ‫الجيالني. يسكنني قلق وضيع. تقودني قدماي إلى طريق‬ ‫ٌ‬ ‫ُ‬ ‫َ َ‬ ‫الغابة حيث الجامع القديم الخرب. أسّم على الحّاظ‬ ‫ُف‬ ‫َُل‬ ‫ِ‬ ‫ُ‬ ‫ِ‬ ‫المطأطئين على ألواحهم وال يردون سالمي، وأحاول أن‬ ‫ّ‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫أسأل فقيههم، فيطردني بحركة سريعة من يده ثم يعود‬ ‫إلى غفوه. وأبتعد عن المسجد، وال يزال صدى همهمات‬ ‫َ ِ‬ ‫ِ‬ ‫الحّاظ مبهمة المعاني يصل أذني. وأبصر والدتي فوق‬ ‫ُف‬ ‫ََ‬ ‫َ‬ ‫ّ‬ ‫الصخرة الكبيرة جالسة تنتظر الغروب، وألوم نفسي على‬ ‫ً‬ ‫إهمالي الطويل، فأهرع إليها مدفوعا بذنبي، أقبل يدها‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ُْ َ ُ‬ ‫َ‬ ‫النحيلة الشفافة، فتنظر إلى عيني بعتاب أليف:‬ ‫ّ