نصوص
وإذا املوؤودون...
حسن أردّة
أألن عددنا كان كبيرًا جداً، فلم يكن «األب» يهتم بتذكر
ّ
َّ َ َ َ َ َ
ُ
وجوهنا في المناسبات التي نراه فيها على عربته المذهبة؟
َّ
في الواقع لم يكن ينظر إلى أي منا إال نادراً، وإذا حدث
ٍ
ّ
فسوف يتخذه االبــن المحظوظ عيدًا وذكــرى يفخر بها
َّ
ب يننا. وحين يقرب إليه منا فردًا ال نراه مرة أخرى أبداً.
ّ
في سريرتنا نعلم أنه يبادلنا النفور نفسه، لعله أيضا
ً
شعور ممزوج بغيرة حاقدة: ففي الوقت الذي كّا نهرم
ن
َ
سريعا منتقلين إلى قوافل المنسيين، لم نكن نعرف سر
ً
ّ
ّ
احتفاظه بفتوته، حتى ليراه الناظر شابا في مثل سّي.
ن
ً
َ
ولكن أصحابه ـ الذين يبدون أكثر منه حيوية بالطبع ـ
يتمادون في مدح قوته وقدرته وشبابه الممتد عبر األجيال،
ّ
ّ
خصوصا على مسامعنا. محض نفاق طبع ً، ولكن فيه
ا
ً
ٍ
ّ
جانبا كبيرًا من الصحة. فهذا األب العجيب الذي يتفرد بين
ً
ّ
أصحابه بلباس متناقض، تعلو فيه ربطة العنق على
ٍ
ٍ
السروال التقليدي الفضفاض، هذا األب الذي لم يكن يتورع
َّ
عن وضع السبحة جانبا ليمسك سيجارة الحشيش من
ً
صديقه المقرب «فابيو» السمين، كان صلدًا كالحجر ذا قوة
ّ
سحرية تكمن في أساور يديه الذهبية التي ترتبط بجّي
ن
غير مرئي كما كنا نعتقد!
وأهم ما كنا نعـرف أنه يعرفه عنا هو شـدة كراهيتنا له
ّ
وخوفنا القديـم منه.
عدا كل هذا يظل اهلل بعيداً، بعيدًا جدًا لدرجة أننا لم نكن
نعرف هل يدري في عليائه بما يجري في بيتنا الجبلي
الكبير أم ال!
وتجمعنا الجحور فنفرك أكّنا من القر، ثم تستمر
ف
ّ
َّ
ُ
حكاياتنا حتى الفجر. نرمق الدخان المتصاعد من القمة
ٍَ ِ
بحـسد فطري ال نملك أن نداريه إال بالدعاء والنكات
َ
والحشيش، عاطلين عن أي شيء سوى الحفر في الجبل
كل يوم، ال ندري لم، وأظنها عادة وّدتها سنون الفراغ
ل
َ
الطويلة، العادة سر من أسرار البقاء كما يقول أبونا في
ّ
خطبه. وهكذا ينسى بسرعة الموتى والمعطلون لمرض
َ ٍ
ُّ
ُ
48
والمنفيون في قنوات «المجاري». كان يفرض علينا أن
ِ
ِّ
ُ
نحفر كل يوم في جانب من جوانب الجبل، وحين تلتقي
الحفر الشرقية بالغربية، يأتي برجال غرباء ليأخذوا
التراب في أجولة نحملها لهم حتى أسفل الجبل ثم نعود.
ال نبدي رأيا وال احتجاجّ. ويردد الفقيه العجوز في جمعة
ا
ً
ِّ
الزيارة:
ِ
«أطع أباك تفز باآلخرة»
َُْ
ِ
وكان بعض العاّين ممن عادوا من «المجاري» القديمة
ق
ُ
يرددون باحتجاج خافت:
ِّ
«والدنيا.. والدنيا..»
وحين كان يسمع ألحدهم صوت احتجاج مرتفع، يأتي
ُ
ُ
من يعيده مرة أخــرى إلى «المجاري» حتى يــؤوب إلى
رشده. ولكن األمر مختلف هذه المرة، كثر زوار «المجاري»
ُ
منا كما كثر الغائبون، ال يخلو جحر من ابن تم تأديبه،
َ َّ
ُ ُ
وحين نسمر حول الجمر الواهن يكشف «الجيالنـي» عن
َ َ
جسده فنرى أخاديد وثقوب ً. ونتبادل نظرات التساؤل عن
ا
َ
العالم األســود الغارق أسفل الجبل. يصمت «الجيالني»
قليال وهو يسوي مالبسه الرّة، ثم يقول بهدوء:
ث
ً
ّ
«ال يمكنني أن أصفها لكم، إنها سوداء ال ألوان فيها».
ويسأله فضولي:
ـ« ماذا تأكلون؟».
ـ «ال شيء، نقضم أظافرنا حتى نتعود، ومن العادة
ّ
ننسى أنفسنا فال نلتفت إلى أننا نأكل بعضا من أصابعنا».
ً
وال نصدق، فيرينا كّه مبتورة األنامل. يقول:
ف
ـ «ال أذكر أنني أحسست باأللم».
ّ
ونستغرب من حكايته، فنغرق في الــشــك. ويسأل
البعض في احتجاج خافت حذرًا من كيد الوشاة:
َ