aldoha magazine N 75 | Page 84

‫نصوص‬ ‫وإذا املوؤودون...‬ ‫حسن أردّة‬ ‫أألن عددنا كان كبيرًا جداً، فلم يكن «األب» يهتم بتذكر‬ ‫ّ‬ ‫َّ َ َ َ َ َ‬ ‫ُ‬ ‫وجوهنا في المناسبات التي نراه فيها على عربته المذهبة؟‬ ‫َّ‬ ‫في الواقع لم يكن ينظر إلى أي منا إال نادراً، وإذا حدث‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫فسوف يتخذه االبــن المحظوظ عيدًا وذكــرى يفخر بها‬ ‫َّ‬ ‫ب يننا. وحين يقرب إليه منا فردًا ال نراه مرة أخرى أبداً.‬ ‫ّ‬ ‫في سريرتنا نعلم أنه يبادلنا النفور نفسه، لعله أيضا‬ ‫ً‬ ‫شعور ممزوج بغيرة حاقدة: ففي الوقت الذي كّا نهرم‬ ‫ن‬ ‫َ‬ ‫سريعا منتقلين إلى قوافل المنسيين، لم نكن نعرف سر‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫احتفاظه بفتوته، حتى ليراه الناظر شابا في مثل سّي.‬ ‫ن‬ ‫ً‬ ‫َ‬ ‫ولكن أصحابه ـ الذين يبدون أكثر منه حيوية بالطبع ـ‬ ‫يتمادون في مدح قوته وقدرته وشبابه الممتد عبر األجيال،‬ ‫ّ‬ ‫ّ‬ ‫خصوصا على مسامعنا. محض نفاق طبع ً، ولكن فيه‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ٍ‬ ‫ّ‬ ‫جانبا كبيرًا من الصحة. فهذا األب العجيب الذي يتفرد بين‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫أصحابه بلباس متناقض، تعلو فيه ربطة العنق على‬ ‫ٍ‬ ‫ٍ‬ ‫السروال التقليدي الفضفاض، هذا األب الذي لم يكن يتورع‬ ‫َّ‬ ‫عن وضع السبحة جانبا ليمسك سيجارة الحشيش من‬ ‫ً‬ ‫صديقه المقرب «فابيو» السمين، كان صلدًا كالحجر ذا قوة‬ ‫ّ‬ ‫سحرية تكمن في أساور يديه الذهبية التي ترتبط بجّي‬ ‫ن‬ ‫غير مرئي كما كنا نعتقد!‬ ‫وأهم ما كنا نعـرف أنه يعرفه عنا هو شـدة كراهيتنا له‬ ‫ّ‬ ‫وخوفنا القديـم منه.‬ ‫عدا كل هذا يظل اهلل بعيداً، بعيدًا جدًا لدرجة أننا لم نكن‬ ‫نعرف هل يدري في عليائه بما يجري في بيتنا الجبلي‬ ‫الكبير أم ال!‬ ‫وتجمعنا الجحور فنفرك أكّنا من القر، ثم تستمر‬ ‫ف‬ ‫ّ‬ ‫َّ‬ ‫ُ‬ ‫حكاياتنا حتى الفجر. نرمق الدخان المتصاعد من القمة‬ ‫ٍَ ِ‬ ‫بحـسد فطري ال نملك أن نداريه إال بالدعاء والنكات‬ ‫َ‬ ‫والحشيش، عاطلين عن أي شيء سوى الحفر في الجبل‬ ‫كل يوم، ال ندري لم، وأظنها عادة وّدتها سنون الفراغ‬ ‫ل‬ ‫َ‬ ‫الطويلة، العادة سر من أسرار البقاء كما يقول أبونا في‬ ‫ّ‬ ‫خطبه. وهكذا ينسى بسرعة الموتى والمعطلون لمرض‬ ‫َ ٍ‬ ‫ُّ‬ ‫ُ‬ ‫48‬ ‫والمنفيون في قنوات «المجاري». كان يفرض علينا أن‬ ‫ِ‬ ‫ِّ‬ ‫ُ‬ ‫نحفر كل يوم في جانب من جوانب الجبل، وحين تلتقي‬ ‫الحفر الشرقية بالغربية، يأتي برجال غرباء ليأخذوا‬ ‫التراب في أجولة نحملها لهم حتى أسفل الجبل ثم نعود.‬ ‫ال نبدي رأيا وال احتجاجّ. ويردد الفقيه العجوز في جمعة‬ ‫ا‬ ‫ً‬ ‫ِّ‬ ‫الزيارة:‬ ‫ِ‬ ‫«أطع أباك تفز باآلخرة»‬ ‫َُْ‬ ‫ِ‬ ‫وكان بعض العاّين ممن عادوا من «المجاري» القديمة‬ ‫ق‬ ‫ُ‬ ‫يرددون باحتجاج خافت:‬ ‫ِّ‬ ‫«والدنيا.. والدنيا..»‬ ‫وحين كان يسمع ألحدهم صوت احتجاج مرتفع، يأتي‬ ‫ُ‬ ‫ُ‬ ‫من يعيده مرة أخــرى إلى «المجاري» حتى يــؤوب إلى‬ ‫رشده. ولكن األمر مختلف هذه المرة، كثر زوار «المجاري»‬ ‫ُ‬ ‫منا كما كثر الغائبون، ال يخلو جحر من ابن تم تأديبه،‬ ‫َ َّ‬ ‫ُ ُ‬ ‫وحين نسمر حول الجمر الواهن يكشف «الجيالنـي» عن‬ ‫َ َ‬ ‫جسده فنرى أخاديد وثقوب ً. ونتبادل نظرات التساؤل عن‬ ‫ا‬ ‫َ‬ ‫العالم األســود الغارق أسفل الجبل. يصمت «الجيالني»‬ ‫قليال وهو يسوي مالبسه الرّة، ثم يقول بهدوء:‬ ‫ث‬ ‫ً‬ ‫ّ‬ ‫«ال يمكنني أن أصفها لكم، إنها سوداء ال ألوان فيها».‬ ‫ويسأله فضولي:‬ ‫ـ« ماذا تأكلون؟».‬ ‫ـ «ال شيء، نقضم أظافرنا حتى نتعود، ومن العادة‬ ‫ّ‬ ‫ننسى أنفسنا فال نلتفت إلى أننا نأكل بعضا من أصابعنا».‬ ‫ً‬ ‫وال نصدق، فيرينا كّه مبتورة األنامل. يقول:‬ ‫ف‬ ‫ـ «ال أذكر أنني أحسست باأللم».‬ ‫ّ‬ ‫ونستغرب من حكايته، فنغرق في الــشــك. ويسأل‬ ‫البعض في احتجاج خافت حذرًا من كيد الوشاة:‬ ‫َ‬