Matahef_Issue 03 April 2026 | Page 71

التصوير الفني ، هنا ، لا يرصد مظاهر الكائنات والأشياء وحدها ، بل ينفذ عبرها ، إلى اللامرئيّّ‏ ، إلى وجهها الآخر. هكذا تصبح الجدران ، وبصمات الزمن عليها
صفحات مفتوحة للقراءة. وفي هذا السياق ، تتحرّك عين المصوِر ، فتنقل الملامح ، والمَشاهد التي يريد التقاطها ، ومعها الكثير من روحه ومن حساسيّته الفنية
تمامًا كما الحال مع الكتابة ، فتصبح الصورة نافذةً‏ تأخذ المضمون أبعد من. مدلولاته المكشوفة. وهذا ما سعى إليه المصوّرون والكتّاب معًا
أكّدت لقطات المصوّرين أنّ‏ الصورة ابنةُ‏ العين التي ترى ، تأخذها إلى مطارح لم ، تحسب أنّ‏ في الإمكان الوصول إليها. يصبح الثابت في الصورة ، بفعل التخيُل
حالةً‏ حيّة متحرّكة. إنّه الانتقال من المحدود إلى اللاّ‏ محدود ، كما الحال في. الشِ‏ عر والفنّ‏ عمومًا
الصورة الفوتوغرافية ، كاللوحة الفنيّة ، يمكن الحديث فيها عن العلاقة بين الضوء الطبيعي والضوء الاصطناعي ، وعن توزيع العناصر وطريقة استعمال المساحات. لقد واكب ابتكارُ‏ الصورة الفوتوغرافية اكتشافَ‏ الكهرباء الذيّ‏ تغيرّ‏ ت معه مظاهر الأشياء واتّخذت أشكالاً‏ أخرى حدّدتها أضواء المدينة الجديدة. وانعكس التقدّم التقني والتكنولوجي ، الذيّ‏ شهده الغرب الصناعي
. بدءًا من القرن التاسع عشر ، علّى الإبداع بصورة عامّة ، شعرًا ونثرًا وفنونًا
ثمّّة مبانٍ‏ لا تموت ، بل تتحوّل. هكذا هو مبنى البنط وأروقته المطلّة علّى: البحر. إنه الماضي ، وهو أيضً‏ ا المتحف الذيّ‏ سيبسط جناحيه فوق الأزمنة
متحف البحر الأحمر ، حيث تُحفَظ الذكرى ويلتئم جرح الزمن الضائع ، فيما. يشهد الآن ولادة نجمة جديدة
هذا المكان عاينتُه بنفسي يوم كان في طريقه إلى أن يصبح متحفًا ، ورأيتُ‏ كيف تبدو آثار مرور الوقت علّى ملامح العمارة ، كما تظهر علّى وجوه البشر. غير أنّ‏ العمارة لا يمكن اختزالها في حجارة وأعمدة وسقوف ، وهذه حال الأمكنة التي تتحوّل إلى رموز. وقفتُ‏ أمام واجهته الخارجيّة ، تلك التي عَبرَ‏ ‏َها قبلي ألوف الآتين من أنحاء وجنسيّات وثقافات مختلفة. في الداخل ، جدران تشقّقت وشحبت
، ألوانها ، لكنّ‏ التكاوين الهندسيّة التي تزيّنت بها لا تزال ماثلة في مكانها. هنا علّى أرضيّته ، كومة من الرمل ، وهناك حفرة وطين. وقفتُ‏ في مكاني حيث ارتفع الصخب وتداخلت الأصوات ذات يوم ، أصوات المسافرين الذين لم تكن قد
، انتهت رحلتهم بعد ، الآتين من أصقاع بعيدة بحثًا عن شجرة الخلاصّ‏. كان البنط. بالنسبة إليهم ، باب البحر ومَعبرًا إلى المدينة التي جاؤوا من أجلها
إلى هنا ، كانت تأتي الأمواج ومعها المسافرون. إنها حركة المدّ‏ والجزر ، في الطبيعة وفي البشر. إلى هذا المكان دخلَ‏ المصوّرون وفي أيديهم آلات تصوير أصبحت كالمجسّ‏ ات التي يحملها المنقّبون لقياس الطبقات الجيولوجيّة المتراكمة بفعل الزمن. لم يرصد المصوّرون ظاهرَ‏ المكان وحسب ، ولم يكتفوا بتأمُل أشكاله الهندسيّة والألوان الباقية فوق الجدران ، بل ذهبوا أبعد من ذلك. لقد أمعنوا في الإصغاء ، وأطلقوا العنان لعيونهم التي بدت كأنّها تمسح عن الحجارة ما علقَ‏ بها
. من أثر الذين مرّوا من هنا ، وعشّ‏ شت أصواتهم وحكاياتهم في الجدران المتشقّقة
الصورة التوثيقيّة تلتقط ما هو قابل للتبدُل أو مهدّد بالزوال ، أمّا صورة الفنّان فليست توثيقًا. فهي لا تصف ولا ترويّ‏ ، ولا تنقل الواقع بصورة بحرفيّته ، بل تصغي إلى الزمن وتُطلق المشهد في أفق الفنّ‏ الرحب. ومن هنا تنبع خصوصيّة هذه التجربة المميّزة التي جمعت بين الكلمة والصورة في كتب تحتفي بالتراثٍ‏. الثقافي وتفتح أبوابه علّى الحاضرً‏ والمستقبل MATAHEF. COM
71