التصوير الفني ، هنا ، لا يرصد مظاهر الكائنات والأشياء وحدها ، بل ينفذ عبرها ، إلى اللامرئيّّ ، إلى وجهها الآخر. هكذا تصبح الجدران ، وبصمات الزمن عليها
صفحات مفتوحة للقراءة. وفي هذا السياق ، تتحرّك عين المصوِر ، فتنقل الملامح ، والمَشاهد التي يريد التقاطها ، ومعها الكثير من روحه ومن حساسيّته الفنية
تمامًا كما الحال مع الكتابة ، فتصبح الصورة نافذةً تأخذ المضمون أبعد من. مدلولاته المكشوفة. وهذا ما سعى إليه المصوّرون والكتّاب معًا
أكّدت لقطات المصوّرين أنّ الصورة ابنةُ العين التي ترى ، تأخذها إلى مطارح لم ، تحسب أنّ في الإمكان الوصول إليها. يصبح الثابت في الصورة ، بفعل التخيُل
حالةً حيّة متحرّكة. إنّه الانتقال من المحدود إلى اللاّ محدود ، كما الحال في. الشِ عر والفنّ عمومًا
الصورة الفوتوغرافية ، كاللوحة الفنيّة ، يمكن الحديث فيها عن العلاقة بين الضوء الطبيعي والضوء الاصطناعي ، وعن توزيع العناصر وطريقة استعمال المساحات. لقد واكب ابتكارُ الصورة الفوتوغرافية اكتشافَ الكهرباء الذيّ تغيرّ ت معه مظاهر الأشياء واتّخذت أشكالاً أخرى حدّدتها أضواء المدينة الجديدة. وانعكس التقدّم التقني والتكنولوجي ، الذيّ شهده الغرب الصناعي
. بدءًا من القرن التاسع عشر ، علّى الإبداع بصورة عامّة ، شعرًا ونثرًا وفنونًا
ثمّّة مبانٍ لا تموت ، بل تتحوّل. هكذا هو مبنى البنط وأروقته المطلّة علّى: البحر. إنه الماضي ، وهو أيضً ا المتحف الذيّ سيبسط جناحيه فوق الأزمنة
متحف البحر الأحمر ، حيث تُحفَظ الذكرى ويلتئم جرح الزمن الضائع ، فيما. يشهد الآن ولادة نجمة جديدة
هذا المكان عاينتُه بنفسي يوم كان في طريقه إلى أن يصبح متحفًا ، ورأيتُ كيف تبدو آثار مرور الوقت علّى ملامح العمارة ، كما تظهر علّى وجوه البشر. غير أنّ العمارة لا يمكن اختزالها في حجارة وأعمدة وسقوف ، وهذه حال الأمكنة التي تتحوّل إلى رموز. وقفتُ أمام واجهته الخارجيّة ، تلك التي عَبرَ َها قبلي ألوف الآتين من أنحاء وجنسيّات وثقافات مختلفة. في الداخل ، جدران تشقّقت وشحبت
، ألوانها ، لكنّ التكاوين الهندسيّة التي تزيّنت بها لا تزال ماثلة في مكانها. هنا علّى أرضيّته ، كومة من الرمل ، وهناك حفرة وطين. وقفتُ في مكاني حيث ارتفع الصخب وتداخلت الأصوات ذات يوم ، أصوات المسافرين الذين لم تكن قد
، انتهت رحلتهم بعد ، الآتين من أصقاع بعيدة بحثًا عن شجرة الخلاصّ. كان البنط. بالنسبة إليهم ، باب البحر ومَعبرًا إلى المدينة التي جاؤوا من أجلها
إلى هنا ، كانت تأتي الأمواج ومعها المسافرون. إنها حركة المدّ والجزر ، في الطبيعة وفي البشر. إلى هذا المكان دخلَ المصوّرون وفي أيديهم آلات تصوير أصبحت كالمجسّ ات التي يحملها المنقّبون لقياس الطبقات الجيولوجيّة المتراكمة بفعل الزمن. لم يرصد المصوّرون ظاهرَ المكان وحسب ، ولم يكتفوا بتأمُل أشكاله الهندسيّة والألوان الباقية فوق الجدران ، بل ذهبوا أبعد من ذلك. لقد أمعنوا في الإصغاء ، وأطلقوا العنان لعيونهم التي بدت كأنّها تمسح عن الحجارة ما علقَ بها
. من أثر الذين مرّوا من هنا ، وعشّ شت أصواتهم وحكاياتهم في الجدران المتشقّقة
الصورة التوثيقيّة تلتقط ما هو قابل للتبدُل أو مهدّد بالزوال ، أمّا صورة الفنّان فليست توثيقًا. فهي لا تصف ولا ترويّ ، ولا تنقل الواقع بصورة بحرفيّته ، بل تصغي إلى الزمن وتُطلق المشهد في أفق الفنّ الرحب. ومن هنا تنبع خصوصيّة هذه التجربة المميّزة التي جمعت بين الكلمة والصورة في كتب تحتفي بالتراثٍ. الثقافي وتفتح أبوابه علّى الحاضرً والمستقبل MATAHEF. COM
71