Matahef_Issue 03 April 2026 | Page 68

” عبقريّةٌ‏ المكاًن: البُنط“ حوار الكلمةٌ‏ والصورة

بقلم عيسى مخلوف

في

شهر كانون الأول / ديسمبر ، 2025 افتُتحَ‏ متحف البحر الأحمر في قلب منطقة“ جدّة التاريخيّة ،” المدرجة علّى قائمة اليونسكو للتراثٍ‏ العالمي ، داخل مبنى“ البُنط” الأثريّ‏ الذيّ‏ أُعيد ترميمه ليصبح معلماً‏ ثقافيًا يوثّق تاريخ البحر الأحمر وتراثه. وقد واكب هذا الافتتاح صدور خمسة كتب عن دار سكيرا ، بالاشتراك مع
وزارة الثقافة السعودية ، تُضيء علّى القيمة الجمالية والتراثيّة لهذا الصرح. العريق
تجمع هذه الكتب بين الصور الفوتوغرافية والنصوصّ‏ المكتوبة ، لعدد من المصوّرين والكتّاب والشعراء من جنسيّات مختلفة ، وهم علّى التوالي: سعيد السّريحي وعارف النمي ؛ فينيسيا بورتر وسوزان حفونة ؛ نبيل نعوم وجلال
. قسطلي ؛ ميرنا عياد ومروة المقيط ؛ إضافة إلى كاتب هذه السطور وأحمد أنو
لقد تعامل الكتّاب الخمسة مع الموقع انطلاقًا من الصور التي واكبت نصوصهم ، فتحاوروا معها وسجّلوا ما تركه المكان في نفوسهم وهو ينبسط أمام أعينهم بصمت. كانوا ، هم أيضً‏ ا ، يصوّرون ، لكن بألوان حروفهم وكلماتهم. وهكذا تتبدّى أمامنا العلاقة بين الصور والكلمات ، من خلال تداخلها وافتراقها ، كأنّها البحر في مدّه وجزره. وقد بلغت هذه العلاقة أقصى معانيها ، فتولّدت منها لغة ثالثة ما كانت لتولد لولا هذا العناق بين الكلمة
. والفنّ‏
في النصّ‏ الذيّ‏ كتبه الكاتب السعوديّ‏ سعيد السّريحي تحت عنوان“ ثمّاني مرايا لعروس البحر الأحمر ،“ ورافقته صور المصوّر اليمني عارف النمي ، نقرأ صفحات من تاريخ جدّة ومن صرَ‏ حها المعماريّّ‏ الذيّ‏ تتمحور حوله سلسلة الكتب. لكنّ‏ السّريحي أرّخ للمدينة ولصرحها بأسلوب روائيّّ‏ آسر ، برزت فيه
. ملامح من أحوال السياسة والاقتصاد والعمران والحياة الثقافية والاجتماعيّة في المرآة الثامنة والأخيرة ، يتوقّف الكاتب عند عبارة وردت في أحد الكتب المخصّ‏ صة لتاريخ جدّة:” الأثر الذيّ‏ تركه البنط علّى جدّة يمكن أن يجعله مفتاحًا لتاريخها.“ وفي موضع آخر:“ جدّة هِبة البنط ، كما أنّ‏ مصر هبة النيل.” وهكذا نلاحظ أن سعيد السّريحي لا يقول فقط شيئًا عن المكان ، بل
. يلمِح إلى أنّ‏ للأمكنة ينابيعها الخفيّة أيضً‏ ا
من جهة التاريخ ، جاء نصّ‏ المؤرّخة والكاتبة البريطانية فينيسيا بورتر تحت عنوان“ واقع متداخل ،” وقد اقتفت أثر البنط من خلال الصور التي التقطتها الفنانة البصرية المصرية الألمانية سوزان حفونة. فلاحظت أنّ‏ هدفها لم يكن التوثيق فحسب ، بل النظر إلى الصور كشيء مجرّد حالم ، ولا سيّما الفتحات والنوافذ والأقواس. أمام الهيكل المهجور والذاكرة الحاضرًة ، تردّد فينيسيا بورتر ما جاء علّى لسان المصوِرة:” يتملّك الضوء والظلّ‏ مشاعريّ‏ لدرجة
.“ تجعلني أشعر بما حدثٍ‏ هناك ، كما لو أنّ‏ المبنى إنسان والغرفة ذاكرته
الكاتب والناقد الفني المصريّ‏ نبيل نعوم يقدّم قراءة نقدية للصور التي التقطها المصوّر الفرنسي التونسي جلال قسطلي ، ويكشف كيف يُجَرّد المشهد الظاهر من مكوّناته بحثًا عن التقاط الروح النقية الصافية للمكان. يركّز نعّوم علّى العلاقة التي تزاوج بين الصورة والعمارة ، وهو علّى صلة عميقة بهذين المجالين ، لا سيّما
. أنه درس الهندسة المدنيّة وعمل مهندسً‏ ا قبل أن يتفرّغ لمجاليَ‏ الكتابة والفنّ‏
، موقف النقطة” عنوان نصّ‏ ه. ومن النقطة يبدأ تشكُل الحروف والكلمات“ يقول نعّوم. إنّها“ المنبع الذيّ‏ تأتي منه الكتابة.” ويلاحظ أنّ‏ للنقطة في الخطّ‏ العربي فلسفة عميقة حول تكوينها الشعريّ‏ ، والجمالي ،” فالخطّ‏ الذيّ‏ شكّل
.“ العنصر البصريّ‏ المرسوم ، هو في جوهره سلسلة من النقط المتّصلة
الكتاب الرابع من السلسلة يجمع بين الكاتبة اللبنانية ميرنا عياد والمصوّرة السعودية مروة المقيط. في النصّ‏ الذيّ‏ يحمل عنوان“ تتكلّم الجدران في قلب جدّة ،” ركّزت عياد ، بعد تقديمها لمحة تاريخية عن المكان ، علّى تجربة المقيط الفنية وعلّى لعبة الضوء والظلال في أعمالها. وتحدّثت عن افتتانها بالهندسة المعمارية ، وكيف أنّ‏ المباني والألوان واللغات هي مصدر إلهام رئيسي بالنسبة إليها. وتقول الكاتبة في وصفها لإحدى الصور إنّ‏ النوافذ التي صوّرتها المقيط بمثابة متفرّجين يجلسون في الصفوف الأمامية ويلقون بنظرهم علّى كلّ‏”
.“ التغييرات التي شهدها باب البنط
أخيرًا ،“ أكاليلُ‏ البحر الأحمر” عنوان الكتاب الذيّ‏ شاركتُ‏ فيه ضمن هذه السلسلة. تحدّثتُ‏ فيه عن ذلك البحر ، ومن خلاله عن البحار والمحيطات كافّةً‏ ، وعن علاقة البشر بها. صحيح أنّ‏ الكتاب كان حوارًا مع ما التقطته عين المصوِر السوداني أحمد أنو ، لكنّه كان أيضً‏ ا حوار الإنسان الفرد العابر مع البحر
. الدهريّّ‏ ، الثابت والمقيم
سيرة البحر هي أيضً‏ ا سيرة الذين عبروه: الذين وصلوا إلى الضفاف الأخرى ليولدوا من جديد ، والذين ذَوَت أحلامهم قبل وصولهم إلى اليابسة ، فبقيت أنفاسهم الأخيرة عالقة في أعماقه. وهو يواسينا ويقول إنّ‏ الذين رحلوا لم يرحلوا
. بعيدًا ، إنّهم علّى مقربة منّا مهما ابتعدوا
، من خلال هذه الكتب ، ندرك أنّ‏ المنازل التي نقطنها لا تأوينا فقط ، بل تصبح وإن طُوِيَت ، جزءًا منّا ونحن منها. أو ، كما يقول المتنبّي:” لكِ‏ يا منازلُ‏ في
.“ القلوبِ‏ منازلُ‏
يصبح تاريخ الأفراد جزءًا من تاريخ العمارة ومن حركة هذه الأمواج. حتى ، المنازل الموَقّتة التي نقيم فيها وتشهد علّى أحداثٍ‏ حميمة أو أليمة في حياتنا
يبقى لها فينا أثر ، ولها وجود في دواخلنا ، يكفي لكي يصحو أن تمرّ‏ في الذهن. خاطرة ، أو نسمع صوتًا بعيدًا ، أو نشمّ‏ رائحةً‏ شممناها يومًا في ذلك المَوضِ‏ ع
68 MATAHEF ISSUE
03