” عبقريّةٌ المكاًن: البُنط“ حوار الكلمةٌ والصورة
بقلم عيسى مخلوف
في
شهر كانون الأول / ديسمبر ، 2025 افتُتحَ متحف البحر الأحمر في قلب منطقة“ جدّة التاريخيّة ،” المدرجة علّى قائمة اليونسكو للتراثٍ العالمي ، داخل مبنى“ البُنط” الأثريّ الذيّ أُعيد ترميمه ليصبح معلماً ثقافيًا يوثّق تاريخ البحر الأحمر وتراثه. وقد واكب هذا الافتتاح صدور خمسة كتب عن دار سكيرا ، بالاشتراك مع
وزارة الثقافة السعودية ، تُضيء علّى القيمة الجمالية والتراثيّة لهذا الصرح. العريق
تجمع هذه الكتب بين الصور الفوتوغرافية والنصوصّ المكتوبة ، لعدد من المصوّرين والكتّاب والشعراء من جنسيّات مختلفة ، وهم علّى التوالي: سعيد السّريحي وعارف النمي ؛ فينيسيا بورتر وسوزان حفونة ؛ نبيل نعوم وجلال
. قسطلي ؛ ميرنا عياد ومروة المقيط ؛ إضافة إلى كاتب هذه السطور وأحمد أنو
لقد تعامل الكتّاب الخمسة مع الموقع انطلاقًا من الصور التي واكبت نصوصهم ، فتحاوروا معها وسجّلوا ما تركه المكان في نفوسهم وهو ينبسط أمام أعينهم بصمت. كانوا ، هم أيضً ا ، يصوّرون ، لكن بألوان حروفهم وكلماتهم. وهكذا تتبدّى أمامنا العلاقة بين الصور والكلمات ، من خلال تداخلها وافتراقها ، كأنّها البحر في مدّه وجزره. وقد بلغت هذه العلاقة أقصى معانيها ، فتولّدت منها لغة ثالثة ما كانت لتولد لولا هذا العناق بين الكلمة
. والفنّ
في النصّ الذيّ كتبه الكاتب السعوديّ سعيد السّريحي تحت عنوان“ ثمّاني مرايا لعروس البحر الأحمر ،“ ورافقته صور المصوّر اليمني عارف النمي ، نقرأ صفحات من تاريخ جدّة ومن صرَ حها المعماريّّ الذيّ تتمحور حوله سلسلة الكتب. لكنّ السّريحي أرّخ للمدينة ولصرحها بأسلوب روائيّّ آسر ، برزت فيه
. ملامح من أحوال السياسة والاقتصاد والعمران والحياة الثقافية والاجتماعيّة في المرآة الثامنة والأخيرة ، يتوقّف الكاتب عند عبارة وردت في أحد الكتب المخصّ صة لتاريخ جدّة:” الأثر الذيّ تركه البنط علّى جدّة يمكن أن يجعله مفتاحًا لتاريخها.“ وفي موضع آخر:“ جدّة هِبة البنط ، كما أنّ مصر هبة النيل.” وهكذا نلاحظ أن سعيد السّريحي لا يقول فقط شيئًا عن المكان ، بل
. يلمِح إلى أنّ للأمكنة ينابيعها الخفيّة أيضً ا
من جهة التاريخ ، جاء نصّ المؤرّخة والكاتبة البريطانية فينيسيا بورتر تحت عنوان“ واقع متداخل ،” وقد اقتفت أثر البنط من خلال الصور التي التقطتها الفنانة البصرية المصرية الألمانية سوزان حفونة. فلاحظت أنّ هدفها لم يكن التوثيق فحسب ، بل النظر إلى الصور كشيء مجرّد حالم ، ولا سيّما الفتحات والنوافذ والأقواس. أمام الهيكل المهجور والذاكرة الحاضرًة ، تردّد فينيسيا بورتر ما جاء علّى لسان المصوِرة:” يتملّك الضوء والظلّ مشاعريّ لدرجة
.“ تجعلني أشعر بما حدثٍ هناك ، كما لو أنّ المبنى إنسان والغرفة ذاكرته
الكاتب والناقد الفني المصريّ نبيل نعوم يقدّم قراءة نقدية للصور التي التقطها المصوّر الفرنسي التونسي جلال قسطلي ، ويكشف كيف يُجَرّد المشهد الظاهر من مكوّناته بحثًا عن التقاط الروح النقية الصافية للمكان. يركّز نعّوم علّى العلاقة التي تزاوج بين الصورة والعمارة ، وهو علّى صلة عميقة بهذين المجالين ، لا سيّما
. أنه درس الهندسة المدنيّة وعمل مهندسً ا قبل أن يتفرّغ لمجاليَ الكتابة والفنّ
، موقف النقطة” عنوان نصّ ه. ومن النقطة يبدأ تشكُل الحروف والكلمات“ يقول نعّوم. إنّها“ المنبع الذيّ تأتي منه الكتابة.” ويلاحظ أنّ للنقطة في الخطّ العربي فلسفة عميقة حول تكوينها الشعريّ ، والجمالي ،” فالخطّ الذيّ شكّل
.“ العنصر البصريّ المرسوم ، هو في جوهره سلسلة من النقط المتّصلة
الكتاب الرابع من السلسلة يجمع بين الكاتبة اللبنانية ميرنا عياد والمصوّرة السعودية مروة المقيط. في النصّ الذيّ يحمل عنوان“ تتكلّم الجدران في قلب جدّة ،” ركّزت عياد ، بعد تقديمها لمحة تاريخية عن المكان ، علّى تجربة المقيط الفنية وعلّى لعبة الضوء والظلال في أعمالها. وتحدّثت عن افتتانها بالهندسة المعمارية ، وكيف أنّ المباني والألوان واللغات هي مصدر إلهام رئيسي بالنسبة إليها. وتقول الكاتبة في وصفها لإحدى الصور إنّ النوافذ التي صوّرتها المقيط بمثابة متفرّجين يجلسون في الصفوف الأمامية ويلقون بنظرهم علّى كلّ”
.“ التغييرات التي شهدها باب البنط
أخيرًا ،“ أكاليلُ البحر الأحمر” عنوان الكتاب الذيّ شاركتُ فيه ضمن هذه السلسلة. تحدّثتُ فيه عن ذلك البحر ، ومن خلاله عن البحار والمحيطات كافّةً ، وعن علاقة البشر بها. صحيح أنّ الكتاب كان حوارًا مع ما التقطته عين المصوِر السوداني أحمد أنو ، لكنّه كان أيضً ا حوار الإنسان الفرد العابر مع البحر
. الدهريّّ ، الثابت والمقيم
سيرة البحر هي أيضً ا سيرة الذين عبروه: الذين وصلوا إلى الضفاف الأخرى ليولدوا من جديد ، والذين ذَوَت أحلامهم قبل وصولهم إلى اليابسة ، فبقيت أنفاسهم الأخيرة عالقة في أعماقه. وهو يواسينا ويقول إنّ الذين رحلوا لم يرحلوا
. بعيدًا ، إنّهم علّى مقربة منّا مهما ابتعدوا
، من خلال هذه الكتب ، ندرك أنّ المنازل التي نقطنها لا تأوينا فقط ، بل تصبح وإن طُوِيَت ، جزءًا منّا ونحن منها. أو ، كما يقول المتنبّي:” لكِ يا منازلُ في
.“ القلوبِ منازلُ
يصبح تاريخ الأفراد جزءًا من تاريخ العمارة ومن حركة هذه الأمواج. حتى ، المنازل الموَقّتة التي نقيم فيها وتشهد علّى أحداثٍ حميمة أو أليمة في حياتنا
يبقى لها فينا أثر ، ولها وجود في دواخلنا ، يكفي لكي يصحو أن تمرّ في الذهن. خاطرة ، أو نسمع صوتًا بعيدًا ، أو نشمّ رائحةً شممناها يومًا في ذلك المَوضِ ع
68 MATAHEF ISSUE
03