المجلس
”
متاحف لبنان: بين التراث الوطني والإرث الإنساني
معالي الوزير ، ذهبتم إلى اليونسكو انطلاقًا من أنّ الآثار المهدَّدة في لبنان ليست ملكاً للبنانيين وحدهم. وقد منحت اليونسكو مواقع لبنانية كثيرة الحماية المعززة ، باعتبار أن بعضها ذو أهمية قصوى للإنسانية. لكن ماذا تعني هذه“ الحماية الدولية” فعليّاً حين تستمر الحرب وتصل الضربات إلى محيط المواقع ، بل وتلحق الأضرار ببعضها ؟ وهل يمتلك المجتمع الدولي أدوات لحماية هذا الإرث الإنساني ، أم أنه لا يستطيع في النهاية إلاّ توثيق خسارته ؟
من الصعب كتابة تاريخ الأشياء التي لم تحدث ؟ هكذا هو التاريخ. فهو. لا يتحدث عن المآسي التي تمّ تجنّبها ، بل عن المآسي التي حصلت
، من الصعب عليّ ، بل من المستحيل القول إن كل التدابير التي أخذناها الديبلوماسية والقانونية ، لحماية التراث اللبناني كانت كافية لحمايته. لكن ، في الواقع ، لم تُستهدف منطقة أثرية بشكل مباشر خلال الحرب ، وأعتقد أن هذه
. النقطة كان لها دور أحد الأسباب التي تجعلني أقول ذلك أنّ الخرائط التي كان ينشرها الإسرائيليون قد أشاروا فيها باللون الأحمر إلى المناطق الأثرية ، وكأنهم كانوا يأخذون في الاعتبار خصوصية هذه المناطق. هذه حقيقة ، لكن هناك استثناءات أيضً ا. كأنّ المناطق التي قرّرت إسرائيل أن تجرفها تمامً ا كالخيام
، أم بنت جبيل أو غيرهما ، جُرفت ولم يستثنوا أيّ شيء. بهذه الطريقة مثلاً جرفوا مكتبة بلدية جميلة في بنت جبيل ، وجرفوا الباقي. لكن حصلت بالإجمال حماية للمواقع الأثرية ، وهي من نوعين: حماية المواقع التي تحتاج إلى حماية معززة. وهي موجودة على كلّ الأراضي اللبنانية- بما في ذلك المبنى الذي
. أستقبلك فيه الآن- والتي وُضعَ ت عليها إشارات خاصة من قبل اليونسكو وهناك المناطق التي أدرجناها في لائحة التراث العالمي ، أو على“ لائحة التراث
العالمي المهدّد ،” وهي صفة تنطبق على صنف معيّن من الآثار. وهذا يضمّ طبعً ا المواقع المعروفة مثل صور وبعلبك وجبيل ومعرض طرابلس. ولقد
تمكّنّا أيضً ا من إدخال خمس مواقع جديدة هي قلاع جبل عامل ، وهذه سابقة ربّما لم ينتبه لأهميتها اللبنانيون. لأول مرة توضع على لائحة التراث العالمي مناطق تحت الاحتلال والتهديد ، وهذا ما يساعد لبنان على تعزيز سيادته على هذه المناطق ، وما يعطي دعمً ا عالميًّا لمناطق مثل صور وجبيل ، ومثل قلعة الشقيف وقلعة أرنون وقلعة تبنين وقلعة دير كيفا... ومن الضروري أن نأخذ في الاعتبار دائمً ا أن التفسير التاريخي لحماية المواقع تجاوزه الزمن إلى حدّ كبير ، إذ أصبح موضوع الحماية اليوم مرتبطً ا أيضً ا بطريقة حياة الناس التقليدية ، وليس فقط بالقيمة التاريخية والجمالية للموقع. وهذا ما يحيلنا إلى ما حصل في جنوب لبنان حيث مُ حيَ بالكامل ما يقارب 30 أو 35قرية. والحال
، هذه ، أيّ حماية ممكنة حيال عملية خرق واسع للقانون الدولي ؟ في السابق كان إنشاء مناطق أمنية يؤدّي إلى تدمير بعض الأماكن العسكرية أو المفترض أنها عسكرية ، أما اليوم فأصبح تدمير المباني هدفًا قائمً ا بذاته ، وهذا ما يجعل
. تلك المناطق غير قابلة للعيش
غالباً ما تعجز المؤسسات والمنظمات الدولية عن فرض أي قرار تتّخذه ، بدءًا من قرارات منظمة الأمم المتحدة... أمام هذا الواقع هل من احتمالات أخرى يمكن أن يكون لها جدوى في حماية الآثار في لبنان ، بل وآثار الشعوب قاطبةً ؟
ما قمنا به مع تلك المؤسسات أمر ضروري ، لأنه سمح لنا أولاً أن نتواصل مع 21 دولة لنحصل على تأييدها بخصوص مواقع جبل عامل ، وننبّه الجميع من المخاطر التي تهدّد هذه المواقع. ثم جعلنا مدير عام اليونسكو الذي استقبلني مرتين في باريس ، أن يأتي إلى لبنان ليرى بنفسه. أخذته إلى معرض طرابلس وخان العسكر ، وذهبنا إلى صور حيث سمع صوت الطائرة المسيّرة تحوم فوق رؤوسنا. وهذا شيء مهمّ. علينا أن نجعل تلك الأماكن المهدّدة مرئية ومعروفة قدر الإمكان ، وهذا ما قد يعطيها نوعًا من الحصانة ، لا سيما في غياب الصحافيين الذين يتعذّر عليهم القيام بعملهم في الجنوب ، ومن يذهب
، منهم إلى هناك يُقتل أحيانًا. ومع ذلك ، نسعى إلى الإضاءة على تلك المواقع. للكشف عن أهميتها وتقديرها واعتبارها جزءًا من التراث العالمي
إذا كانت التجربة اللبنانية تكشف أنّ إدراج موقع على لائحة دولية لا يكفي لحمايته عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط ، فهل حان الوقت للانتقال من القانون الدولي لحماية التراث” إلى منظومة دولية للأمن الثقافي ، تكون لديها“ آليات للإنذار والتوثيق والمساءلة ؟ وهل يستطيع لبنان ، بما يملكه من إرث إنساني مهدّد ، في الجنوب ومناطق لبنانية أخرى ، أن يكون صاحب مبادرة
دولية من هذا النوع ؟
لا ، لأنّ الوقت غير مناسب ، ولسبب بسيط لا علاقة له بالثقافة بل بمستوى التعاون الدولي. لقد عملتُ في الأمم المتحدة فترة طويلة من حياتي ، ويمكنني القول إنني لم أرَ النظام الدولي مفكّكًا كما هو اليوم. لا توجد ثقة بين زعماء. الدول الكبرى ، ولا يوجد تعاون داخل المؤسسات ، مثل مجلس الأمن الدولي ، الشيء الإيجابي أنّ الأمم المتحدة عبارة عن أرخبيل من الوكالات والمؤسسات. وبعض هذه الوكالات ما زال يستطيع أن يستمرّ رغم أن النظام كلّه مفكّك
عملتُ في الأمم المتحدة فترة طويلة من حياتي ، ويمكنني القول إنني لم أرَ النظام
. الدولي مفكّكًا كما هو اليوم
الأمين العامّ للأمم المتحدة لا يتوقّف عن الإدلاء بالتصريحات ، لكنه! كمن يصرخ وحده في الصحراء
صحيح ، وهو كذلك ، فضلاً عن أنه يتحمّل تحديات داخلية كبيرة. صحيح أن الوكالات ما زالت موجودة كما ذكرنا ، لكن كيف يمكن أن يستقيم العمل ويستمرّ من دون تمويل وميزانيات ؟ النظام العالمي اليوم ليس في وضع إعادة تجدّد ، بل في حالة ضمور وتراجع. ومع ذلك ، فإذا استطعنا الحفاظ على
. الحدّ الأدنى من الموجود الآن ، فهذا شيء مهمّ
في المجتمعات التي تطول أزماتها كالمجتمع اللبناني ، ألا يصبح الفعل الثقافي بحدّ ذاته نوعً ا من التحدي ؟ حين ينشغل الناس طويلاً
بتأمين النجاة والحدّ الأدنى من مقوّمات العيش ، ألا تضيق المساحة المتاحة للكتاب والمسرح والفن والبحث وحفظ التراث ، ليس لأن
، الناس فقدوا حاجتهم إليها ، بل لأن شروط إنتاجها أصبحت صعبة وأحيانًا شبه مستحيلة ؟
لبنان مرّ بظروف صعبة للغاية: هجمات خارجية ، إسرائيل ، حروب داخل الطوائف وبين الطوائف ، انهيار اقتصادي ، وغير ذلك. فأيّ ثقافة يمكن أن
. تعيش داخل هذه الظروف ؟ إنّ تحديد الثقافة في لبنان خاطئ بشكل عام يعتقد الناس أنّ الثقافة وسيلة ترفيه وتحتاج إلى إنفاق ، بينما هي عكس
. ذلك ، في لبنان وفي العالم أجمع ، لأنها مجال إنتاج لا مجال إنفاق فحسب إذا نظرنا إلى كلّ الصناعات الثقافية ، من فيلم وكتاب وموسيقى وتصميم وموضة وغير ذلك ، نجد أنها كانت تمثل قبل الأزمة التي بدأت عام ، 2019 6 بالمئة من الاقتصاد الوطني ، مقارنة بالزراعة 4,8 بالمئة. وهذا يعني أنّ الصناعات الثقافية تؤمّن مردودًا يفوق ما تؤمّنه الزراعة. وهذا ما لا ينتبه إليه الناس بشكل عام ، ولا ينتبهون إلى أنّ هناك 110 آلاف عائلة تعيش من هذه الصناعات. لذلك ، ولحسن الحظ ، تمكّنت الثقافة من تجاوز المرحلة السابقة
، الصعبة جداً: من انفجار المرفأ إلى فيروس كورونا ، وغير ذلك. أما السبب. فلأنها مستقلّة عن الدولة ، ولو كانت جزءًا منها لانهارت مع انهيار مالية الدولة
من هذا المنطلق ، ألححت على زميلي ، وزير الاقتصاد ، عندما نظّ م أول مؤتمر أن يخصّ ص حيّزًا مهمًّا للثقافة ، وكانت ،) Beirut One( استثمار في بيروت
جلسة الثقافة ممتازة بالفعل. الثقافة مصدر عيش في لبنان ، وجزء من التعافي ، الاقتصادي. ولذلك عملنا على توحيد معرض الكتاب الذي أخذ منا وقتًا طويلاً
. خدمةً لصناعة الكتاب لأنها صناعة مهمّة يعيش منها آلاف البشر! هذا يعني أنّ لبنان لا يزال مساحة حرية
نعم ، وهذا هو الشيء العجيب والمثير للانتباه. لقد غبتُ 25 سنة عن لبنان الذي عاش خلال الخمسين سنة الماضية ظروفًا قاسية للغاية ، سياسية واقتصادية ، ومع ذلك ، استمرّت فيه حرية التفكير والتعبير. ليس من اليسير أن يدخل أيّ بلد في هذا النفق ويخرج منه! قد يكون اللبناني غير مستوعب لهذه القيمة النادرة: أن يكون وضعه عاطلاً ، وفي الوقت نفسه أن يتمكّن من
، القول إنّ وضعه عاطل ، بينما هناك شعوب كثيرة تعيش في وضع عاطل. ومضطرّة إلى القول إنّ وضعها عظيم
عندما وصلتُ إلى هنا للقائك ، رأيتك أمامي تصعد الدرج بخطوات متثاقلة ، كأنك تحمل على ظهرك حملاً ثقيلاً... كيف تعيش مع هذا الحمل كلَّ يوم ؟
MATAHEF. COM 87