Matahef Fall 2026, First Anniversary - A Double Issue Issue 5 | Page 172

المجلس

”

متاحف لبنان: بين التراث الوطني والإرث الإنساني
معالي الوزير ، ذهبتم إلى اليونسكو انطلاقًا من أنّ‏ الآثار المهدَّدة في لبنان ليست ملكاً‏ للبنانيين وحدهم. وقد منحت اليونسكو مواقع لبنانية كثيرة الحماية المعززة ، باعتبار أن بعضها ذو أهمية قصوى للإنسانية. لكن ماذا تعني هذه“ الحماية الدولية” فعليّاً‏ حين تستمر الحرب وتصل الضربات إلى محيط المواقع ، بل وتلحق الأضرار ببعضها ؟ وهل يمتلك المجتمع الدولي أدوات لحماية هذا الإرث الإنساني ، أم أنه لا يستطيع في النهاية إلاّ‏ توثيق خسارته ؟
من الصعب كتابة تاريخ الأشياء التي لم تحدث ؟ هكذا هو التاريخ. فهو. لا يتحدث عن المآسي التي تمّ‏ تجنّبها ، بل عن المآسي التي حصلت
، من الصعب عليّ‏ ، بل من المستحيل القول إن كل التدابير التي أخذناها الديبلوماسية والقانونية ، لحماية التراث اللبناني كانت كافية لحمايته. لكن ، في الواقع ، لم تُستهدف منطقة أثرية بشكل مباشر خلال الحرب ، وأعتقد أن هذه
. النقطة كان لها دور أحد الأسباب التي تجعلني أقول ذلك أنّ‏ الخرائط التي كان ينشرها الإسرائيليون قد أشاروا فيها باللون الأحمر إلى المناطق الأثرية ، وكأنهم كانوا يأخذون في الاعتبار خصوصية هذه المناطق. هذه حقيقة ، لكن هناك استثناءات أيضً‏ ا. كأنّ‏ المناطق التي قرّرت إسرائيل أن تجرفها تمامً‏ ا كالخيام
، أم بنت جبيل أو غيرهما ، جُرفت ولم يستثنوا أيّ‏ شيء. بهذه الطريقة مثلاً‏ جرفوا مكتبة بلدية جميلة في بنت جبيل ، وجرفوا الباقي. لكن حصلت بالإجمال حماية للمواقع الأثرية ، وهي من نوعين: حماية المواقع التي تحتاج إلى حماية معززة. وهي موجودة على كلّ‏ الأراضي اللبنانية- بما في ذلك المبنى الذي
. أستقبلك فيه الآن- والتي وُضعَ‏ ت عليها إشارات خاصة من قبل اليونسكو وهناك المناطق التي أدرجناها في لائحة التراث العالمي ، أو على“ لائحة التراث
العالمي المهدّد ،” وهي صفة تنطبق على صنف معيّن من الآثار. وهذا يضمّ‏ طبعً‏ ا المواقع المعروفة مثل صور وبعلبك وجبيل ومعرض طرابلس. ولقد
تمكّنّا أيضً‏ ا من إدخال خمس مواقع جديدة هي قلاع جبل عامل ، وهذه سابقة ربّما لم ينتبه لأهميتها اللبنانيون. لأول مرة توضع على لائحة التراث العالمي مناطق تحت الاحتلال والتهديد ، وهذا ما يساعد لبنان على تعزيز سيادته على هذه المناطق ، وما يعطي دعمً‏ ا عالميًّا لمناطق مثل صور وجبيل ، ومثل قلعة الشقيف وقلعة أرنون وقلعة تبنين وقلعة دير كيفا... ومن الضروري أن نأخذ في الاعتبار دائمً‏ ا أن التفسير التاريخي لحماية المواقع تجاوزه الزمن إلى حدّ‏ كبير ، إذ أصبح موضوع الحماية اليوم مرتبطً‏ ا أيضً‏ ا بطريقة حياة الناس التقليدية ، وليس فقط بالقيمة التاريخية والجمالية للموقع. وهذا ما يحيلنا إلى ما حصل في جنوب لبنان حيث مُ‏ حيَ‏ بالكامل ما يقارب 30 أو ‎35‎قرية. والحال
، هذه ، أيّ‏ حماية ممكنة حيال عملية خرق واسع للقانون الدولي ؟ في السابق كان إنشاء مناطق أمنية يؤدّي إلى تدمير بعض الأماكن العسكرية أو المفترض أنها عسكرية ، أما اليوم فأصبح تدمير المباني هدفًا قائمً‏ ا بذاته ، وهذا ما يجعل
. تلك المناطق غير قابلة للعيش
غالباً‏ ما تعجز المؤسسات والمنظمات الدولية عن فرض أي قرار تتّخذه ، بدءًا من قرارات منظمة الأمم المتحدة... أمام هذا الواقع هل من احتمالات أخرى يمكن أن يكون لها جدوى في حماية الآثار في لبنان ، بل وآثار الشعوب قاطبةً‏ ؟
ما قمنا به مع تلك المؤسسات أمر ضروري ، لأنه سمح لنا أولاً‏ أن نتواصل مع 21 دولة لنحصل على تأييدها بخصوص مواقع جبل عامل ، وننبّه الجميع من المخاطر التي تهدّد هذه المواقع. ثم جعلنا مدير عام اليونسكو الذي استقبلني مرتين في باريس ، أن يأتي إلى لبنان ليرى بنفسه. أخذته إلى معرض طرابلس وخان العسكر ، وذهبنا إلى صور حيث سمع صوت الطائرة المسيّرة تحوم فوق رؤوسنا. وهذا شيء مهمّ‏. علينا أن نجعل تلك الأماكن المهدّدة مرئية ومعروفة قدر الإمكان ، وهذا ما قد يعطيها نوعًا من الحصانة ، لا سيما في غياب الصحافيين الذين يتعذّر عليهم القيام بعملهم في الجنوب ، ومن يذهب
، منهم إلى هناك يُقتل أحيانًا. ومع ذلك ، نسعى إلى الإضاءة على تلك المواقع. للكشف عن أهميتها وتقديرها واعتبارها جزءًا من التراث العالمي
إذا كانت التجربة اللبنانية تكشف أنّ‏ إدراج موقع على لائحة دولية لا يكفي لحمايته عندما تبدأ الصواريخ بالسقوط ، فهل حان الوقت للانتقال من القانون الدولي لحماية التراث” إلى منظومة دولية للأمن الثقافي ، تكون لديها“ آليات للإنذار والتوثيق والمساءلة ؟ وهل يستطيع لبنان ، بما يملكه من إرث إنساني مهدّد ، في الجنوب ومناطق لبنانية أخرى ، أن يكون صاحب مبادرة
دولية من هذا النوع ؟
لا ، لأنّ‏ الوقت غير مناسب ، ولسبب بسيط لا علاقة له بالثقافة بل بمستوى التعاون الدولي. لقد عملتُ‏ في الأمم المتحدة فترة طويلة من حياتي ، ويمكنني القول إنني لم أرَ‏ النظام الدولي مفكّكًا كما هو اليوم. لا توجد ثقة بين زعماء. الدول الكبرى ، ولا يوجد تعاون داخل المؤسسات ، مثل مجلس الأمن الدولي ، الشيء الإيجابي أنّ‏ الأمم المتحدة عبارة عن أرخبيل من الوكالات والمؤسسات. وبعض هذه الوكالات ما زال يستطيع أن يستمرّ‏ رغم أن النظام كلّه مفكّك
عملتُ‏ في الأمم المتحدة فترة طويلة من حياتي ، ويمكنني القول إنني لم أرَ‏ النظام
. الدولي مفكّكًا كما هو اليوم
الأمين العامّ‏ للأمم المتحدة لا يتوقّف عن الإدلاء بالتصريحات ، لكنه! كمن يصرخ وحده في الصحراء
صحيح ، وهو كذلك ، فضلاً‏ عن أنه يتحمّل تحديات داخلية كبيرة. صحيح أن الوكالات ما زالت موجودة كما ذكرنا ، لكن كيف يمكن أن يستقيم العمل ويستمرّ‏ من دون تمويل وميزانيات ؟ النظام العالمي اليوم ليس في وضع إعادة تجدّد ، بل في حالة ضمور وتراجع. ومع ذلك ، فإذا استطعنا الحفاظ على
. الحدّ‏ الأدنى من الموجود الآن ، فهذا شيء مهمّ‏
في المجتمعات التي تطول أزماتها كالمجتمع اللبناني ، ألا يصبح الفعل الثقافي بحدّ‏ ذاته نوعً‏ ا من التحدي ؟ حين ينشغل الناس طويلاً‏
بتأمين النجاة والحدّ‏ الأدنى من مقوّمات العيش ، ألا تضيق المساحة المتاحة للكتاب والمسرح والفن والبحث وحفظ التراث ، ليس لأن
، الناس فقدوا حاجتهم إليها ، بل لأن شروط إنتاجها أصبحت صعبة وأحيانًا شبه مستحيلة ؟
لبنان مرّ‏ بظروف صعبة للغاية: هجمات خارجية ، إسرائيل ، حروب داخل الطوائف وبين الطوائف ، انهيار اقتصادي ، وغير ذلك. فأيّ‏ ثقافة يمكن أن
. تعيش داخل هذه الظروف ؟ إنّ‏ تحديد الثقافة في لبنان خاطئ بشكل عام يعتقد الناس أنّ‏ الثقافة وسيلة ترفيه وتحتاج إلى إنفاق ، بينما هي عكس
. ذلك ، في لبنان وفي العالم أجمع ، لأنها مجال إنتاج لا مجال إنفاق فحسب إذا نظرنا إلى كلّ‏ الصناعات الثقافية ، من فيلم وكتاب وموسيقى وتصميم وموضة وغير ذلك ، نجد أنها كانت تمثل قبل الأزمة التي بدأت عام ، 2019 6 بالمئة من الاقتصاد الوطني ، مقارنة بالزراعة 4,8 بالمئة. وهذا يعني أنّ‏ الصناعات الثقافية تؤمّن مردودًا يفوق ما تؤمّنه الزراعة. وهذا ما لا ينتبه إليه الناس بشكل عام ، ولا ينتبهون إلى أنّ‏ هناك 110 آلاف عائلة تعيش من هذه الصناعات. لذلك ، ولحسن الحظ ، تمكّنت الثقافة من تجاوز المرحلة السابقة
، الصعبة جداً‏: من انفجار المرفأ إلى فيروس كورونا ، وغير ذلك. أما السبب. فلأنها مستقلّة عن الدولة ، ولو كانت جزءًا منها لانهارت مع انهيار مالية الدولة
من هذا المنطلق ، ألححت على زميلي ، وزير الاقتصاد ، عندما نظّ‏ م أول مؤتمر أن يخصّ‏ ص حيّزًا مهمًّا للثقافة ، وكانت ،) Beirut One( استثمار في بيروت
جلسة الثقافة ممتازة بالفعل. الثقافة مصدر عيش في لبنان ، وجزء من التعافي ، الاقتصادي. ولذلك عملنا على توحيد معرض الكتاب الذي أخذ منا وقتًا طويلاً‏
. خدمةً‏ لصناعة الكتاب لأنها صناعة مهمّة يعيش منها آلاف البشر! هذا يعني أنّ‏ لبنان لا يزال مساحة حرية
نعم ، وهذا هو الشيء العجيب والمثير للانتباه. لقد غبتُ‏ 25 سنة عن لبنان الذي عاش خلال الخمسين سنة الماضية ظروفًا قاسية للغاية ، سياسية واقتصادية ، ومع ذلك ، استمرّت فيه حرية التفكير والتعبير. ليس من اليسير أن يدخل أيّ‏ بلد في هذا النفق ويخرج منه! قد يكون اللبناني غير مستوعب لهذه القيمة النادرة: أن يكون وضعه عاطلاً‏ ، وفي الوقت نفسه أن يتمكّن من
، القول إنّ‏ وضعه عاطل ، بينما هناك شعوب كثيرة تعيش في وضع عاطل. ومضطرّة إلى القول إنّ‏ وضعها عظيم
عندما وصلتُ‏ إلى هنا للقائك ، رأيتك أمامي تصعد الدرج بخطوات متثاقلة ، كأنك تحمل على ظهرك حملاً‏ ثقيلاً‏... كيف تعيش مع هذا الحمل كلَّ‏ يوم ؟
MATAHEF. COM 87