Matahef Fall 2026, First Anniversary - A Double Issue Issue 5 | Page 149

احتفاء
آلاف السنين ، لم يكن الإنسان يعرف وجهه كما نعرف نحن وجوهنا اليوم. كان يتخيّله في نفسه حينًا ، ويستدلّ‏ عليه حينًا آخر من نظرات الآخرين ، ويلمحه حينًا ثالثًا صورةً‏ عابرةً‏
على صفحة ماء مهتزّة ، أو غائمة على سطح معدن صقيل. ثم جاءت الصورة الفوتوغرافية ، قبل مئتي عام ، لتُحدث واحدًا من أكثر التحوّلات فرادةً‏ في تاريخ الإنسان: صار في وسعه أن يرى وجهه مثبتًا أمامه ، كما رأته عين أخرى في لحظة ما ، وأن. يحتفظ بتلك اللحظة بعد انقضائها
ولم يكن تثبيت الوجه سوى البداية. فسرعان ما غدت الصورة مرآةً‏ للإنسان والعالم معً‏ ا ، وذاكرةً‏ للوجوه والأمكنة والأحداث ، ووسيلةً‏ فريدة للإبحار في الزمن: نستعيد بها من
، غابوا ، ونرى مدنًا تبدّلت ، وحروبًا انقضت ، ولحظاتٍ‏ لم نعشها. لكنها بقيت ، بفضل الصورة ، عصيّةً‏ على الزوال الكامل
بمرور زهاء المئتَي عام على ولادة التصوير الفوتوغرافيّ‏ ، وتلاحق كلّ‏ التطوّرات المدوّخة التي طرأت عليه ، يبدو كلام الكاتبة والناقدة والمخرجة الأميركيّة سوزان سونتاغ مفهوماً‏ حين تحدّثت عن الأمنية بالعودة إلى ماضٍ‏ أكثر حرفيّةً‏ ، ونقاء ، حين كان لا يزال للصور خاصّ‏ يّة الشيء المصنوع باليد ، ولها هالة مميّزة. هذا الحنين- كما تابعت القول في كتابها“ حول الفوتوغراف”- للحالة البدائيّة للمشروع الفوتوغرافيّ‏ ، يشكّل الأساس للحماسة الشائعة للتصوير“ الداغريّ‏ ،” وبطاقات الصور المُ‏ جسّ‏ مة ، وبطاقات التعريف الفوتوغرافيّة ، واللقطات العائليّة ، والأعمال المنسيّة للصور الريفيّة والتجاريّة
. في القرن التاسع عشر ، وبدايات القرن العشرين
فالنفور من استخدام المعدّات الحديثة ذات القوّة العالية ، هو وراء الانجذاب إلى ماضي التصوير الفوتوغرافيّ‏. لكن ليس إلى حدّ‏ العودة إلى عشرينيّات القرن التاسع عشر ، حين صُ‏ نعت صور من دون كاميرا على يد الفرنسي جوزيف نيسافور نيابس ، بصندوقه ذي الثقب الصغير ، ومواطنه لويس داغير” الذي تمكّن من الحصول على أوّل صورة موجبة بالطبع“ التماسيّ‏ على صفيحة نحاسيّة. فكانت بداية عمليّة التصوير المعروفة في يومنا هذا. ولم تعد الصورة تحتاج إلى ساعاتٍ‏ ثمانٍ‏ لتظهر كما كان الحال مع نييبس ، غير أنه لم يكن في وسع المصوّرين آنذاك الحصول سوى على صورة واحدة. وسيُعلن عالم الفلك الفرنسيّ‏ آراغو ، عام ، 1839 عن الاختراع الذي حظي بدعم الحكومة الفرنسيّة ودعايةٍ‏ كبيرة ، مُ‏ عتبراً‏ إيّاه هديّة“ من الشعب الفرنسيّ‏ إلى الإنسانيّة.” وسرعان ما تبيّن مدى التأثير الذي سيتركه على فنّ‏ الرسم ، فلجأ بعض الفنانين إلى استعمال الصور الفوتوغرافية في دراساتهم
، الفنية ، ومنهم أوجين دولاكروا وكلود مونيه ، فيما عبّر الشاعر شارل بودلير بازدراءٍ‏ واضح ، عن اندفاع“ المجتمع الدنيء ، كنرسيسٍ‏ واحد ، ليتأمّل صورته
.” التافهة على المعدن
بذلك دخلت الطريقة“ الداغريّة” حيّز الإستخدام العام كأوّل عمليّة فوتوغرافيّة ، برغم تزامنها مع اختراع الإنكليزيّ‏ فوكس تالبوت لعمليّة البوزتيف- نيغاتيف” على الورق الحسّ‏ اس ، وقد لاقى عرضُ‏ ه نماذجَ‏ من أعماله“
. أمام الملكة فيكتوريا إعجابَها
. وهنا لا مفرّ‏ من الاعتراف بأنّ‏ العرب سيبقون ، مُ‏ ذ ذاك ، على الهامش فمنذ بدايات عهد التصوير لم يُقدّم العرب ، على حدّ‏ قول الدكتور شاكر عبد
، الحميد في كتابه“ عصر الصورة” إختراعاً‏ فوتوغرافيّاً‏ واحداً‏ ، بل اكتفوا بالمتابعة والاقتفاء ، والاستهلاك. مع أنّهم كانوا لا بدّ‏ من أن يتأثّروا بسرعة اندفاع روّاد التصوير الأوائل ، بمعدّاتهم الثقيلة ، إلى منطقتهم المُ‏ ثيرة للدهشة بأراضيها المقدّسة ، وصوفيّتها الغامضة ، وأزيائها غير المألوفة ، مكمّلين بذلك الخضوع لحُمّى افتتان الرسّ‏ امين الغربيّين بالشرق ، وبروحانيّاته المُ‏ لهمة ، وغرائبه
. المُ‏ ثيرة للحنين
قدرة متنامية على تسجيل الأحداث الساخنة لحظة وقوعها ، كما
. لم يحدث من قبل
” لذلك ، تبدو مُ‏ برّرة أسباب إطلاق“ الصندوق العربيّ‏ للثقافة والفنون
عام ، 2014 ،) ADPP( آفاق) لبرنامج التصوير الفوتوغرافيّ‏ الوثائقيّ‏ العربيّ‏( بالشراكة مع صندوق“ الأمير كلاوس ،” و” مؤسّ‏ سة ماغنوم ،” من أجل دعم وتطوير ممارسات التصوير الوثائقيّ‏ الإبداعيّة في المنطقة العربيّة. ويُركّز الصندوق ، منذ ذلك الحين ، على روايات وقضايا إجتماعيّة وتنمويّة هامّة غير ممثّلة بشكلٍ‏ كافٍ‏ ، وتقديمها ، بعيداً‏ عن القوالب النمطيّة والتقليديّة ، وعلى
تمكين المصوّرين الناشئين ، عبر تزويدهم بالموارد ، وتوفير الدعم المهنيّ‏ اللازم للانطلاق في مشاريعهم البصريّة ، أو إكمالها. فضلاً‏ عن القيام بورش عمل
مُ‏ كثّفة ، والسعي إلى حماية الذاكرة المُ‏ شتركة من المحو والتدمير ، وتوفير. منصّ‏ ة للظهور ، ونشر الأعمال ، والوصول إلى جمهورٍ‏ أوسع
وفي الواقع ، لا بدّ‏ من التسليم بالدور المحوريّ‏ الذي أدّته الصورة الفوتوغرافيّة منذ فجرها الأوّل ، فبفضلها بات في مقدور الناس- وفقًا لما
، أوردته سوزي كلارك ، المتخصصة في حفظ الصور الفوتوغرافية وترميمها وفرانتسيسكا فراي ، المتخصصة في التصوير الرقمي وحفظ المجموعات الفوتوغرافية ، في تقريرهما « في حفظ الصور ،» الذي نشرته « المؤسّ‏ سة العربيّة للصورة » سنة- 2019 رؤيةُ‏ نسخة مطابقة لمشهدٍ‏ ما ، بعدما ظلّوا زمناً‏ طويلاً‏ يعتمدون على الرسم والكلمات في وصفه واستعادته. إنها نسخة تُمكّنهم من رؤية المشهد ، من دون الحاجة إلى أن يقفوا أمامه شخصيّاً‏ ، بحيث كفَّت الذاكرة ، فرديّةً‏ كانت أم جماعيّة ، عن كونها وليدة المعلومات الشفويّة ، أو
. المكتوبة ، لتتحوّل إلى مُ‏ حصّ‏ لة بصريّة
، ولا تنفكّ‏ الصورة تؤدّي دورها ، ما دامت في الحفظ والصَّ‏ ون. فالنزاعات
، والأزمات ، التي تنهش المنطقة العربيّة منذ عقود ، فضلاً‏ عن الهجرة ، والنزوح وتبدّل الأماكن ، تُهدّدها بالتبدّد ، والائتلاف ، بفعل الحروب ، أو الإهمال. لكنّ‏ الخطر المُ‏ حدق بها ، في مواضع حفظها ، تُقابله قدرة مُ‏ تنامية على تسجيل الأحداث الساخنة ، لحظة وقوعها ، كما ولا مرّة في التاريخ. أما التسجيل فلم يعد ، في أيّامنا هذه ، وقفاً‏ على المصوّرين الصحافيّين المُ‏ حترفين ، إنما بات في
. متناول كلّ‏ من يقتني هاتفاً‏ خلويّاً‏

”

المسجّلة في السجلّ‏ الدوليّ‏. لذاكرة العالم
وفي هذا السياق ، يُشار إلى أنّ‏ منظّ‏ مة“ اليونسكو” قد أعلنت العام
، الماضي عن إنشاء لجنة إقليميّة لبرنامج“ ذاكرة العالم ،” في المنطقة العربيّة مُ‏ لاحظةً‏ أنّ‏ التراث الوثائقيّ‏ العربيّ‏ لا يُمثّل سوى نحو 4 إلى % 5 من المواد المُ‏ سجّلة في السجلّ‏ الدوليّ‏ لذاكرة العالم ، وهي أدنى نسبة بين المجموعات الجغرافيّة ، والأشدّ‏ إثارةً‏ للقلق ، نظراً‏ لوقوع نسبة كبيرة من مؤسّ‏ سات الذاكرة
. في مناطق عالية المخاطر
وليس هذا مصدر الخطر الوحيد على الصورة ، وعلى مَ‏ وْثوقيَّتها. فهناك. التلاعب الرقميّ‏ ، والذكاء الإصطناعيّ‏
وكما كان فنّ‏ التصوير عاملاً‏ أساسيّاً‏ في تحوّلات فنّ‏ الرسم ، وفي اختراع ، السينما ، ومن ثمّ‏ التلفزيون ، فقد أدّى أيضاً‏ إلى تطوّر الإعلانات ، والصحافة
وغيرها. وكان حديثٌ‏ عن موتٍ‏ له منذ ظهور فنون الشاشة وتناميها. أمّا الآن. فيبدو أنّ‏ الحديث يدور حول أنّ‏ التصوير يشهد موته الثاني
هناك إحساس مُ‏ تزايد- كما يقول الباحث في الثقافة البصريّة والإعلام
. كيڤن روبنز- بأنّنا نشهد ميلاد حقبةٍ‏ جديدة ، حقبة ما بعد التصوير الفوتوغرافيّ‏ وتُمثّل هذه الحقبة نوعاً‏ من التطوّر في التكنولوجيا الإلكترونيّة الرقميّة الجديدة الخاصّ‏ ة بتسجيل ومُ‏ عالجة وتبادل وتخزين الصور. هكذا شهدنا خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين نوعاً‏ من التقارب المُ‏ تزايد بين تكنولوجيا التصوير الفوتوغرافيّ‏ وتكنولوجيا الفيديو ، والكمبيوتر. وقد أدّى هذا التقارب إلى تمهيد
الأرض لظهور سياقٍ‏ جديد تكون فيه الصورة الفوتوغرافيّة الثابتة مجرّد عنصرٍ‏ صغير في ذلك العالم الكبير الذي أُطلق عليه إسم الميديا الفائقة ، أو العليا
وفي متاهة الصور اللامُ‏ تناهية الناتجة عن العالم الافتراضيّ‏.) Hypermedia(
. الجديد يصعب توقّع ما سيحدث ، حتّى في وقت قريب
، وإذا كان لي أن أُنهي ما تقدّم عن التصوير الفوتوغرافيّ‏ بلمسةٍ‏ ذاتيّة فلأشر إلى كوني أحد المُ‏ هتمّين ، منذ عقود ، بالحرص على جمع تراثنا الضوئيّ‏

”

MATAHEF. COM 75