احتفاء
آلاف السنين ، لم يكن الإنسان يعرف وجهه كما نعرف نحن وجوهنا اليوم. كان يتخيّله في نفسه حينًا ، ويستدلّ عليه حينًا آخر من نظرات الآخرين ، ويلمحه حينًا ثالثًا صورةً عابرةً
على صفحة ماء مهتزّة ، أو غائمة على سطح معدن صقيل. ثم جاءت الصورة الفوتوغرافية ، قبل مئتي عام ، لتُحدث واحدًا من أكثر التحوّلات فرادةً في تاريخ الإنسان: صار في وسعه أن يرى وجهه مثبتًا أمامه ، كما رأته عين أخرى في لحظة ما ، وأن. يحتفظ بتلك اللحظة بعد انقضائها
ولم يكن تثبيت الوجه سوى البداية. فسرعان ما غدت الصورة مرآةً للإنسان والعالم معً ا ، وذاكرةً للوجوه والأمكنة والأحداث ، ووسيلةً فريدة للإبحار في الزمن: نستعيد بها من
، غابوا ، ونرى مدنًا تبدّلت ، وحروبًا انقضت ، ولحظاتٍ لم نعشها. لكنها بقيت ، بفضل الصورة ، عصيّةً على الزوال الكامل
بمرور زهاء المئتَي عام على ولادة التصوير الفوتوغرافيّ ، وتلاحق كلّ التطوّرات المدوّخة التي طرأت عليه ، يبدو كلام الكاتبة والناقدة والمخرجة الأميركيّة سوزان سونتاغ مفهوماً حين تحدّثت عن الأمنية بالعودة إلى ماضٍ أكثر حرفيّةً ، ونقاء ، حين كان لا يزال للصور خاصّ يّة الشيء المصنوع باليد ، ولها هالة مميّزة. هذا الحنين- كما تابعت القول في كتابها“ حول الفوتوغراف”- للحالة البدائيّة للمشروع الفوتوغرافيّ ، يشكّل الأساس للحماسة الشائعة للتصوير“ الداغريّ ،” وبطاقات الصور المُ جسّ مة ، وبطاقات التعريف الفوتوغرافيّة ، واللقطات العائليّة ، والأعمال المنسيّة للصور الريفيّة والتجاريّة
. في القرن التاسع عشر ، وبدايات القرن العشرين
فالنفور من استخدام المعدّات الحديثة ذات القوّة العالية ، هو وراء الانجذاب إلى ماضي التصوير الفوتوغرافيّ. لكن ليس إلى حدّ العودة إلى عشرينيّات القرن التاسع عشر ، حين صُ نعت صور من دون كاميرا على يد الفرنسي جوزيف نيسافور نيابس ، بصندوقه ذي الثقب الصغير ، ومواطنه لويس داغير” الذي تمكّن من الحصول على أوّل صورة موجبة بالطبع“ التماسيّ على صفيحة نحاسيّة. فكانت بداية عمليّة التصوير المعروفة في يومنا هذا. ولم تعد الصورة تحتاج إلى ساعاتٍ ثمانٍ لتظهر كما كان الحال مع نييبس ، غير أنه لم يكن في وسع المصوّرين آنذاك الحصول سوى على صورة واحدة. وسيُعلن عالم الفلك الفرنسيّ آراغو ، عام ، 1839 عن الاختراع الذي حظي بدعم الحكومة الفرنسيّة ودعايةٍ كبيرة ، مُ عتبراً إيّاه هديّة“ من الشعب الفرنسيّ إلى الإنسانيّة.” وسرعان ما تبيّن مدى التأثير الذي سيتركه على فنّ الرسم ، فلجأ بعض الفنانين إلى استعمال الصور الفوتوغرافية في دراساتهم
، الفنية ، ومنهم أوجين دولاكروا وكلود مونيه ، فيما عبّر الشاعر شارل بودلير بازدراءٍ واضح ، عن اندفاع“ المجتمع الدنيء ، كنرسيسٍ واحد ، ليتأمّل صورته
.” التافهة على المعدن
بذلك دخلت الطريقة“ الداغريّة” حيّز الإستخدام العام كأوّل عمليّة فوتوغرافيّة ، برغم تزامنها مع اختراع الإنكليزيّ فوكس تالبوت لعمليّة البوزتيف- نيغاتيف” على الورق الحسّ اس ، وقد لاقى عرضُ ه نماذجَ من أعماله“
. أمام الملكة فيكتوريا إعجابَها
. وهنا لا مفرّ من الاعتراف بأنّ العرب سيبقون ، مُ ذ ذاك ، على الهامش فمنذ بدايات عهد التصوير لم يُقدّم العرب ، على حدّ قول الدكتور شاكر عبد
، الحميد في كتابه“ عصر الصورة” إختراعاً فوتوغرافيّاً واحداً ، بل اكتفوا بالمتابعة والاقتفاء ، والاستهلاك. مع أنّهم كانوا لا بدّ من أن يتأثّروا بسرعة اندفاع روّاد التصوير الأوائل ، بمعدّاتهم الثقيلة ، إلى منطقتهم المُ ثيرة للدهشة بأراضيها المقدّسة ، وصوفيّتها الغامضة ، وأزيائها غير المألوفة ، مكمّلين بذلك الخضوع لحُمّى افتتان الرسّ امين الغربيّين بالشرق ، وبروحانيّاته المُ لهمة ، وغرائبه
. المُ ثيرة للحنين
قدرة متنامية على تسجيل الأحداث الساخنة لحظة وقوعها ، كما
. لم يحدث من قبل
” لذلك ، تبدو مُ برّرة أسباب إطلاق“ الصندوق العربيّ للثقافة والفنون
عام ، 2014 ،) ADPP( آفاق) لبرنامج التصوير الفوتوغرافيّ الوثائقيّ العربيّ( بالشراكة مع صندوق“ الأمير كلاوس ،” و” مؤسّ سة ماغنوم ،” من أجل دعم وتطوير ممارسات التصوير الوثائقيّ الإبداعيّة في المنطقة العربيّة. ويُركّز الصندوق ، منذ ذلك الحين ، على روايات وقضايا إجتماعيّة وتنمويّة هامّة غير ممثّلة بشكلٍ كافٍ ، وتقديمها ، بعيداً عن القوالب النمطيّة والتقليديّة ، وعلى
تمكين المصوّرين الناشئين ، عبر تزويدهم بالموارد ، وتوفير الدعم المهنيّ اللازم للانطلاق في مشاريعهم البصريّة ، أو إكمالها. فضلاً عن القيام بورش عمل
مُ كثّفة ، والسعي إلى حماية الذاكرة المُ شتركة من المحو والتدمير ، وتوفير. منصّ ة للظهور ، ونشر الأعمال ، والوصول إلى جمهورٍ أوسع
وفي الواقع ، لا بدّ من التسليم بالدور المحوريّ الذي أدّته الصورة الفوتوغرافيّة منذ فجرها الأوّل ، فبفضلها بات في مقدور الناس- وفقًا لما
، أوردته سوزي كلارك ، المتخصصة في حفظ الصور الفوتوغرافية وترميمها وفرانتسيسكا فراي ، المتخصصة في التصوير الرقمي وحفظ المجموعات الفوتوغرافية ، في تقريرهما « في حفظ الصور ،» الذي نشرته « المؤسّ سة العربيّة للصورة » سنة- 2019 رؤيةُ نسخة مطابقة لمشهدٍ ما ، بعدما ظلّوا زمناً طويلاً يعتمدون على الرسم والكلمات في وصفه واستعادته. إنها نسخة تُمكّنهم من رؤية المشهد ، من دون الحاجة إلى أن يقفوا أمامه شخصيّاً ، بحيث كفَّت الذاكرة ، فرديّةً كانت أم جماعيّة ، عن كونها وليدة المعلومات الشفويّة ، أو
. المكتوبة ، لتتحوّل إلى مُ حصّ لة بصريّة
، ولا تنفكّ الصورة تؤدّي دورها ، ما دامت في الحفظ والصَّ ون. فالنزاعات
، والأزمات ، التي تنهش المنطقة العربيّة منذ عقود ، فضلاً عن الهجرة ، والنزوح وتبدّل الأماكن ، تُهدّدها بالتبدّد ، والائتلاف ، بفعل الحروب ، أو الإهمال. لكنّ الخطر المُ حدق بها ، في مواضع حفظها ، تُقابله قدرة مُ تنامية على تسجيل الأحداث الساخنة ، لحظة وقوعها ، كما ولا مرّة في التاريخ. أما التسجيل فلم يعد ، في أيّامنا هذه ، وقفاً على المصوّرين الصحافيّين المُ حترفين ، إنما بات في
. متناول كلّ من يقتني هاتفاً خلويّاً
”
المسجّلة في السجلّ الدوليّ. لذاكرة العالم
وفي هذا السياق ، يُشار إلى أنّ منظّ مة“ اليونسكو” قد أعلنت العام
، الماضي عن إنشاء لجنة إقليميّة لبرنامج“ ذاكرة العالم ،” في المنطقة العربيّة مُ لاحظةً أنّ التراث الوثائقيّ العربيّ لا يُمثّل سوى نحو 4 إلى % 5 من المواد المُ سجّلة في السجلّ الدوليّ لذاكرة العالم ، وهي أدنى نسبة بين المجموعات الجغرافيّة ، والأشدّ إثارةً للقلق ، نظراً لوقوع نسبة كبيرة من مؤسّ سات الذاكرة
. في مناطق عالية المخاطر
وليس هذا مصدر الخطر الوحيد على الصورة ، وعلى مَ وْثوقيَّتها. فهناك. التلاعب الرقميّ ، والذكاء الإصطناعيّ
وكما كان فنّ التصوير عاملاً أساسيّاً في تحوّلات فنّ الرسم ، وفي اختراع ، السينما ، ومن ثمّ التلفزيون ، فقد أدّى أيضاً إلى تطوّر الإعلانات ، والصحافة
وغيرها. وكان حديثٌ عن موتٍ له منذ ظهور فنون الشاشة وتناميها. أمّا الآن. فيبدو أنّ الحديث يدور حول أنّ التصوير يشهد موته الثاني
هناك إحساس مُ تزايد- كما يقول الباحث في الثقافة البصريّة والإعلام
. كيڤن روبنز- بأنّنا نشهد ميلاد حقبةٍ جديدة ، حقبة ما بعد التصوير الفوتوغرافيّ وتُمثّل هذه الحقبة نوعاً من التطوّر في التكنولوجيا الإلكترونيّة الرقميّة الجديدة الخاصّ ة بتسجيل ومُ عالجة وتبادل وتخزين الصور. هكذا شهدنا خلال السنوات الأخيرة من القرن العشرين نوعاً من التقارب المُ تزايد بين تكنولوجيا التصوير الفوتوغرافيّ وتكنولوجيا الفيديو ، والكمبيوتر. وقد أدّى هذا التقارب إلى تمهيد
الأرض لظهور سياقٍ جديد تكون فيه الصورة الفوتوغرافيّة الثابتة مجرّد عنصرٍ صغير في ذلك العالم الكبير الذي أُطلق عليه إسم الميديا الفائقة ، أو العليا
وفي متاهة الصور اللامُ تناهية الناتجة عن العالم الافتراضيّ.) Hypermedia(
. الجديد يصعب توقّع ما سيحدث ، حتّى في وقت قريب
، وإذا كان لي أن أُنهي ما تقدّم عن التصوير الفوتوغرافيّ بلمسةٍ ذاتيّة فلأشر إلى كوني أحد المُ هتمّين ، منذ عقود ، بالحرص على جمع تراثنا الضوئيّ
”
MATAHEF. COM 75