... حين يصير الإلهام متحفً ا أزياء وعطور وسينما في المغرب بقلم بنيونس عميروش
IN FOCUS
... حين يصير الإلهام متحفً ا أزياء وعطور وسينما في المغرب بقلم بنيونس عميروش
لم يعد المتحف في المغرب مجرد خزانة للقِطع الأثرية أو فضاء رسمي تُعرض فيه شواهد الماضي ، بل صار في كثير من الأحيان مبادرة فردية أو مؤسساتية خاصة تحتفي بذاكرة حِرفة ، أو بسيرة مبدع ، أو بفن من الفنون الحية. وقد برزت خلال العقدين الأخيرين متاحف تخصصية تنقل الزائر من عالم الموضة إلى عالم العطور ، ومن عالم العطور إلى كواليس الفن السابع ، ويجمع بينها خيط واحد هو المغرب بوصفه مصدر إلهام: بضوئه وألوانه ونباتاته وفضاءاته الطبيعية التي استهوت الفنانين والمصممين والسينمائيين من مختلف أنحاء العالم. في هذه الجولة نتوقف عند ثلاثة من هذه الفضاءات: متحف إيف
. سان لوران ومتحف العطور في مراكش ، ومتحف السينما في ورزازات
مراكش في عينَي إيف سان لوران
ارتبطت إبداعات مصمم الأزياء الفرنسي إيف سان لوران بمراكش منذ عام ، 1966 تاريخ رحلته الأولى التي فتحت عيْنَيْه على مشهد حضري جديد يستحقّ استكشافًا متأنًّيًا وإقامات منتظمة. فاقتنى منزلاً فيها ، وصار يرسم فيه تصاميم مجموعاته الجديدة كل سنة. وبتعبير الكاتبة والإعلامية الفرنسية لورانس بنعيم:“ فجبال أوريكة ، وقِطع الفسيفساء التي تزين الصوامِ ع ، لم تكُفّ عن إثراء مَ عين إلهام الفنان. كما أن ضجيج البازارات ، والمناظر التي نخالها خارجة من لوحات ماتيس ، ستغدو عبارة عن فساتين ومعاطف مُ زيّنة بالقيطان والطربوش الفاسي.” لقد نسجت زياراته المتوالية علاقة متينة بينه وبين إيقاع المدينة ، بالنسبة إليه ، مصدر إلهام دائم بما تزخر به من ثراء في الأشكال والألوان ، وهي عناصر ظلّت فاعلة في توجيه رؤيته الفنية ، كما يوضِّ ح بنفسه:“ حينئذ ، أصبحت أكثر حساسية تجاه الضوء والألوان ، ولا سيما حين
، تنبَّهت إلى تداخل الضوء مع الألوان.)...( ففي كل زاوية من شوارع مراكش تُصادف مجموعات تفيض بالحيوية والحضور اللاّ فت لرجال ونساء تمتزج
.” فيهم تلاوين القفاطين الوردية ، الزرقاء ، الخضراء ، والبنفسجية
تلك هي النظرة التي طبعت مساره الطويل الحافل بقِطع فريدة لا حصر لها ، وجعلت منه علامة بارزة ما زالت إلى اليوم محط إعجاب المَ لِكات ومشاهير العالم ، إذ تعكس منتجاته ، من الملابس إلى الحقائب والعطور ، ذوقًا رفيعً ا منسجمً ا مع روح العصر. ويمكن تأمل هذا الذوق عبر نماذج كثيرة في متحف إيف سان لوران” المُ خصَّ ص لأزيائه في مراكش ، الذي أنْشِ ئ بالتوازي“ مع متحف آخر مكرّس لأعماله في باريس ، وافتُتح المتحفان معً ا سنة. 2017
متحف يحاكي قماش الثوب
يقع متحف مراكش ، الممتدّ على مساحة 4000 متر مربّع ، في شارع إيف سان لوران بالقرب من“ حديقة ماجوريل” التي شكّلت مسكنه المُ لْهِم قبل
” رحيله في. 2008 صمّم المبنى مكتب المهندسين الفرنسيين“ ستوديو كو
ونفذت أشغال بنائه شركة“ بويغ.” وانطلاقًا من أسلوب إيف ،) Studio KO( سان لوران القائم على التّبايُن بين المُ نحنَيات والمُ ستقيمات ، وتناوب الخطوط الانسيابية الرقيقة مع القصّ ات الصريحة الحادة ، جاءت واجِهة المبنى بلون التراب المحلي( الأحمر الآجري ،) في كُتل هندسية ذات زوايا مُ قوَّسة ، ضمن تكوين من المكعبات المَ كسُ وّة بنقوش من الطّ وب تشبه نسيج الدانتيلا. أما التصميم الداخلي فيحاكي بِطانة الثوب ، بمَ لمس مخملي ناعم وأجواء مفعمة
. بالضوء
ويضمّ هذا الفضاء قاعة عرض دائم لأعمال إيف سان لوران المتنوعة ، وقاعة مخصصة لجاك ماجوريل ، ورواقًا للمعارض المؤقتة ، وقاعة محاضرات تتسع لنحو 130 مقعدًا ، فضلاً عن مطعم ومقهى ومتجر للهدايا والكتب ، ومكتبة
. تضم نحو 5000 مجلّد ، من بينها مؤلفات أندلسية قديمة
الزليج والقفطان في مفردات المصمِّ م
كان للمغرب أثر بالغ في إيف سان لوران ، شأنه شأن عدد كبير من الفنانين الذين سبقوه ، كدولاكروا وماتيس وماجوريل وغيرهم. ويتجلى ذلك في أسلوبه الذي يكشف معرفة بالعمارة والفنون التقليدية المغربية ، وهي معرفة مكّنته
. من التوليف بين الجلباب والبنطلون وسواهما من الألبسة الرجالية والنسائية
، فقد فتحت له مراكش باب الألوان التي استقى منها مفرداته الشكلية واستوحى منها أيضً ا نهجًا جديدًا في تجميعها وزخرفتها ، قاده إلى ابتكار قصّ ات تحيل إلى فن الزليج والفسيفساء. يقول في تصريح يعود إلى عام: 1983 في المغرب ، أدركت أن ألواني الخاصة هي تلك التي تميّز الزلّيج والزواقة“ والجلاليب والقفاطين ،” وهي فنون تراثية“ تناولتها وعملتُ على تحويلها
. وتكييفها ،” في استثمار إبداعي يتجاوز حدود الاقتباس إلى إعادة الخلق ولا يستقيم الحديث عن إرث إيف سان لوران من دون ذكر رفيق دربه وشريكه التجاري بيير بيرجي ، إذ يعود إليهما الفضل في شراء حديقة جاك
. ماجوريل وترميمها وتجهيزها ، وإنشاء المتحف الأمازيغي في رحابها
”
في المغرب أدركتُ ألواني إيف سان لوران
من الحديقة إلى القارورة: متحف العطور
يقودنا هذا الاهتمام بالنبات والحدائق إلى متحف آخر يُعنى بخلاصة النبات ، هو متحف العطور” الذي أسسه عبد الرزاق بن شعبان ، صانع العطور وصاحب“
عطر مراكش ،” والذي ارتبط اسمه بإيف سان لوران حين ابتكر ماء تواليت“ يحمل اسم“ حديقة ماجوريل ،” باعتبار العطر حلقة مكمّلة تمنح الجسد
. واللباس والمكان نفحة فوّاحة
يقع المتحف في رياض يعود إلى القرن التاسع عشر ، رُمّم عام ، 2006 في قلب المدينة العتيقة لمراكش. وهو فضاء يوقظ الحواس بعرض نماذج عطرية محلية متنوعة ، ويبسط التاريخ العريق للعطور المغربية وثقافتها المتصلة بفن التعطير والعلاج بالروائح والعناية بالجسد وطقوس الرفاهية. وفي التنقل بين أرجائه ، يعيش عشاق الروائح تجربة فريدة تبدأ من تقطير المياه الزهرية وتمتد إلى استخلاص الزيوت النباتية والعطرية. كما يكتشف الزائر خلاصة المعرفة المتوارثة في صناعة العطور بالمغرب ، من خلال مجموعة من الأدوات والمستخلصات النادرة المعتمدة في هذه الصناعة ، وأخرى خاصة بالنباتات
. الطبية والعطرية المستعملة في طقوس الحمّام
يقول مصمّم العطور عبد الرزاق بن شعبان إنّ متحف العطور“ هو عبارة عن ، مكان ، حيث يمكن للناس القيام بجولة في الغرف تغطي حوالي ثلاثين دقيقة
62 MATAHEF ISSUE 05