Matahef Fall 2026, First Anniversary - A Double Issue Issue 5 | Page 123

... حين يصير الإلهام متحفً‏ ا أزياء وعطور وسينما في المغرب بقلم بنيونس عميروش
IN FOCUS

... حين يصير الإلهام متحفً‏ ا أزياء وعطور وسينما في المغرب بقلم بنيونس عميروش

لم يعد المتحف في المغرب مجرد خزانة للقِطع الأثرية أو فضاء رسمي تُعرض فيه شواهد الماضي ، بل صار في كثير من الأحيان مبادرة فردية أو مؤسساتية خاصة تحتفي بذاكرة حِرفة ، أو بسيرة مبدع ، أو بفن من الفنون الحية. وقد برزت خلال العقدين الأخيرين متاحف تخصصية تنقل الزائر من عالم الموضة إلى عالم العطور ، ومن عالم العطور إلى كواليس الفن السابع ، ويجمع بينها خيط واحد هو المغرب بوصفه مصدر إلهام: بضوئه وألوانه ونباتاته وفضاءاته الطبيعية التي استهوت الفنانين والمصممين والسينمائيين من مختلف أنحاء العالم. في هذه الجولة نتوقف عند ثلاثة من هذه الفضاءات: متحف إيف
. سان لوران ومتحف العطور في مراكش ، ومتحف السينما في ورزازات
مراكش في عينَي إيف سان لوران
ارتبطت إبداعات مصمم الأزياء الفرنسي إيف سان لوران بمراكش منذ عام ، 1966 تاريخ رحلته الأولى التي فتحت عيْنَيْه على مشهد حضري جديد يستحقّ‏ استكشافًا متأنًّيًا وإقامات منتظمة. فاقتنى منزلاً‏ فيها ، وصار يرسم فيه تصاميم مجموعاته الجديدة كل سنة. وبتعبير الكاتبة والإعلامية الفرنسية لورانس بنعيم:“ فجبال أوريكة ، وقِطع الفسيفساء التي تزين الصوامِ‏ ع ، لم تكُفّ‏ عن إثراء مَ‏ عين إلهام الفنان. كما أن ضجيج البازارات ، والمناظر التي نخالها خارجة من لوحات ماتيس ، ستغدو عبارة عن فساتين ومعاطف مُ‏ زيّنة بالقيطان والطربوش الفاسي.” لقد نسجت زياراته المتوالية علاقة متينة بينه وبين إيقاع المدينة ، بالنسبة إليه ، مصدر إلهام دائم بما تزخر به من ثراء في الأشكال والألوان ، وهي عناصر ظلّت فاعلة في توجيه رؤيته الفنية ، كما يوضِّ‏ ح بنفسه:“ حينئذ ، أصبحت أكثر حساسية تجاه الضوء والألوان ، ولا سيما حين
، تنبَّهت إلى تداخل الضوء مع الألوان.)...( ففي كل زاوية من شوارع مراكش تُصادف مجموعات تفيض بالحيوية والحضور اللاّ‏ فت لرجال ونساء تمتزج
.” فيهم تلاوين القفاطين الوردية ، الزرقاء ، الخضراء ، والبنفسجية
تلك هي النظرة التي طبعت مساره الطويل الحافل بقِطع فريدة لا حصر لها ، وجعلت منه علامة بارزة ما زالت إلى اليوم محط إعجاب المَ‏ لِكات ومشاهير العالم ، إذ تعكس منتجاته ، من الملابس إلى الحقائب والعطور ، ذوقًا رفيعً‏ ا منسجمً‏ ا مع روح العصر. ويمكن تأمل هذا الذوق عبر نماذج كثيرة في متحف إيف سان لوران” المُ‏ خصَّ‏ ص لأزيائه في مراكش ، الذي أنْشِ‏ ئ بالتوازي“ مع متحف آخر مكرّس لأعماله في باريس ، وافتُتح المتحفان معً‏ ا سنة. 2017
متحف يحاكي قماش الثوب
يقع متحف مراكش ، الممتدّ‏ على مساحة 4000 متر مربّع ، في شارع إيف سان لوران بالقرب من“ حديقة ماجوريل” التي شكّلت مسكنه المُ‏ لْهِم قبل
” رحيله في. 2008 صمّم المبنى مكتب المهندسين الفرنسيين“ ستوديو كو
ونفذت أشغال بنائه شركة“ بويغ.” وانطلاقًا من أسلوب إيف ،) Studio KO( سان لوران القائم على التّبايُن بين المُ‏ نحنَيات والمُ‏ ستقيمات ، وتناوب الخطوط الانسيابية الرقيقة مع القصّ‏ ات الصريحة الحادة ، جاءت واجِهة المبنى بلون التراب المحلي( الأحمر الآجري ،) في كُتل هندسية ذات زوايا مُ‏ قوَّسة ، ضمن تكوين من المكعبات المَ‏ كسُ‏ وّة بنقوش من الطّ‏ وب تشبه نسيج الدانتيلا. أما التصميم الداخلي فيحاكي بِطانة الثوب ، بمَ‏ لمس مخملي ناعم وأجواء مفعمة
. بالضوء
ويضمّ‏ هذا الفضاء قاعة عرض دائم لأعمال إيف سان لوران المتنوعة ، وقاعة مخصصة لجاك ماجوريل ، ورواقًا للمعارض المؤقتة ، وقاعة محاضرات تتسع لنحو 130 مقعدًا ، فضلاً‏ عن مطعم ومقهى ومتجر للهدايا والكتب ، ومكتبة
. تضم نحو 5000 مجلّد ، من بينها مؤلفات أندلسية قديمة
الزليج والقفطان في مفردات المصمِّ‏ م
كان للمغرب أثر بالغ في إيف سان لوران ، شأنه شأن عدد كبير من الفنانين الذين سبقوه ، كدولاكروا وماتيس وماجوريل وغيرهم. ويتجلى ذلك في أسلوبه الذي يكشف معرفة بالعمارة والفنون التقليدية المغربية ، وهي معرفة مكّنته
. من التوليف بين الجلباب والبنطلون وسواهما من الألبسة الرجالية والنسائية
، فقد فتحت له مراكش باب الألوان التي استقى منها مفرداته الشكلية واستوحى منها أيضً‏ ا نهجًا جديدًا في تجميعها وزخرفتها ، قاده إلى ابتكار قصّ‏ ات تحيل إلى فن الزليج والفسيفساء. يقول في تصريح يعود إلى عام: 1983 في المغرب ، أدركت أن ألواني الخاصة هي تلك التي تميّز الزلّيج والزواقة“ والجلاليب والقفاطين ،” وهي فنون تراثية“ تناولتها وعملتُ‏ على تحويلها
. وتكييفها ،” في استثمار إبداعي يتجاوز حدود الاقتباس إلى إعادة الخلق ولا يستقيم الحديث عن إرث إيف سان لوران من دون ذكر رفيق دربه وشريكه التجاري بيير بيرجي ، إذ يعود إليهما الفضل في شراء حديقة جاك
. ماجوريل وترميمها وتجهيزها ، وإنشاء المتحف الأمازيغي في رحابها

”

في المغرب أدركتُ‏ ألواني إيف سان لوران
من الحديقة إلى القارورة: متحف العطور
يقودنا هذا الاهتمام بالنبات والحدائق إلى متحف آخر يُعنى بخلاصة النبات ، هو متحف العطور” الذي أسسه عبد الرزاق بن شعبان ، صانع العطور وصاحب“
عطر مراكش ،” والذي ارتبط اسمه بإيف سان لوران حين ابتكر ماء تواليت“ يحمل اسم“ حديقة ماجوريل ،” باعتبار العطر حلقة مكمّلة تمنح الجسد
. واللباس والمكان نفحة فوّاحة
يقع المتحف في رياض يعود إلى القرن التاسع عشر ، رُمّم عام ، 2006 في قلب المدينة العتيقة لمراكش. وهو فضاء يوقظ الحواس بعرض نماذج عطرية محلية متنوعة ، ويبسط التاريخ العريق للعطور المغربية وثقافتها المتصلة بفن التعطير والعلاج بالروائح والعناية بالجسد وطقوس الرفاهية. وفي التنقل بين أرجائه ، يعيش عشاق الروائح تجربة فريدة تبدأ من تقطير المياه الزهرية وتمتد إلى استخلاص الزيوت النباتية والعطرية. كما يكتشف الزائر خلاصة المعرفة المتوارثة في صناعة العطور بالمغرب ، من خلال مجموعة من الأدوات والمستخلصات النادرة المعتمدة في هذه الصناعة ، وأخرى خاصة بالنباتات
. الطبية والعطرية المستعملة في طقوس الحمّام
يقول مصمّم العطور عبد الرزاق بن شعبان إنّ‏ متحف العطور“ هو عبارة عن ، مكان ، حيث يمكن للناس القيام بجولة في الغرف تغطي حوالي ثلاثين دقيقة
62 MATAHEF ISSUE 05