IN FOCUS
تتميّز المتاحف الإثنوغرافية في المغرب بكونها فضاءً مفتوحًا على تحولات التاريخ والذاكرة ، إذ تمنح زائرها ، في فاس ومكناس ومراكش وتطوان ، صورةً
عن عمق الحضارة المغربية التي أسهمت في تشكيلها الحضارات القديمة والدول التي تعاقبت على حكم بلاد المغرب منذ العصر الوسيط. وهذا التعدد الثقافي والزخم الفني ، اللذان تكشف المؤسسة المتحفية عن بعض ملامحهما ، لا يرتبطان بغنى التراث وتنوع روافده الحضارية فحسب ، وإنما أيضً ا بالموقع الجغرافي للمغرب ، المنفتح على الواجهة الأطلسية والبحر الأبيض المتوسط ، وهو ما جعله ، منذ القدم ، مجالاً لتفاعل حضارات وثقافات متعددة انصهرت فيه وأسهمت في تكوين نسيج بصري تتجلى جمالياته في
. مكونات التراث الثقافي المادي المتصل بعادات المجتمع المغربي وتقاليده
وثيقة تاريخية
، تقدّم المتاحف الإثنوغرافية في المغرب ، بما تحتضنه من مجموعات متنوّعة شهادة تاريخية وبصرية على جوانب من حياة المغاربة وأنماط عيشهم ولباسهم وغذائهم ، فضلاً عن الأدوات المستخدمة في حياتهم اليومية. كما تكشف هذه المجموعات عن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي ، وعن أوجه التفاعل والتبادل بين الأوساط القبلية والقروية والحضرية ، وما صاحب ذلك من انتقال للعادات والمهارات والأشكال الفنية وإعادة تشكّلها داخل
. فضاء المدينة ليست أزياء النساء ومنتجات الحِرَف وأدوات الطقوس الاجتماعية والمواسم الاحتفالية التي عرفها المغاربة عبر التاريخ مجرّد معروضات مادية نُضفي عليها طابعً ا فنيًّا حتى تكتسب مكانتها الرمزية ، ذلك أن قيمتها الجمالية تتجلّى ، بدرجة أساسية ، من خلال وضعها في سياقاتها التاريخية والاجتماعية
، والثقافية التي أنتجتها ومنحتها وظائفها ودلالاتها. ومن خلال هذه السياقات تغدو المقتنيات الإثنوغرافية شواهد مادية على بعض مكوّنات الهوية المغربية ومسارات تشكّلها وتحوّلها عبر الزمن ، كما تسهم في استحضار
. التاريخ داخل الذاكرة الجماعية وفي استمرار دلالاته الرمزية في الحاضر إنّ التاريخ ، كما تقدّمه لنا المتاحف الإثنوغرافية ، لا يقتصر على الوقائع والأحداث التي عاشها المغاربة في الماضي ، وإنما يمتدّ إلى ما بقي من ذاكرة ذلك الماضي متجسّ دًا في الثقافة المادية والممارسات الاجتماعية والقيم الرمزية المتصلة بعادات المغاربة وتقاليدهم. لذلك تطالعنا في هذه المتاحف عناصر معمارية وأزياء وحُلي وتطريز ومنتجات حرفية وأدوات منزلية وآلات موسيقية وغيرها من المقتنيات المادية الموروثة عن حقب مختلفة من تاريخ
. المغرب ، لتأخذنا في رحلة عبر أزمنة وبيئات اجتماعية وثقافية متعدّدة
، وتمنحنا هذه المقتنيات إحساسً ا خاصًّ ا بالأزمنة التي عاشتها الأجيال السابقة وتتيح لنا تمثّل تجاربها وأساليبها في تدبير شؤون عيشها. فهذا الموروث الثقافي ، بما يحمله من دلالات مادية ورمزية ، أسهم على امتداد قرون في تشكيل جوانب من الثقافة المغربية ، بما تنطوي عليه من تعدّد في الروافد وتفاعل بين عناصر ثقافية وحضارية مختلفة. وقد ترك هذا التفاعل آثاره في التراث الثقافي المادّي وغير المادّي ، بوصفهما مجالين تتجلّى من خلالهما
. استمرارية الذاكرة وتجدّدها
عبق الماضي وأصالة الحاضر
تستمد المتاحف الإثنوغرافية خصوصيتها ، مقارنةً بغيرها من الأنماط المتحفية ، من ارتباط مقتنياتها بالتاريخ الاجتماعي الذي أنتجها. فالأدوات والأزياء ومنتجات الحرف تكشف عن أنماط العيش والعادات والمهارات التي عرفها المغاربة في مراحل تاريخية مختلفة. ومن ثمّ ، يقدّم المتحف الإثنوغرافي للزائر صورة مصغّ رة عن التراث الثقافي المغربي وعن البيئات الاجتماعية التي
. نشأت فيها هذه المقتنيات ومن هذا المنظور ، يشكّل المتحف الإثنوغرافي مدخلاً إلى قراءة التاريخ الاجتماعي والثقافي للمغرب ، إذ يستحضر صِ لات المقتنيات بالحياة اليومية وبأنماط العيش والممارسات الاجتماعية والثقافية. وبذلك يتيح للزائر الاقتراب من عوالم المجتمع المغربي ، والتعرّف إلى جوانب من ثقافته المادية وما ارتبط بها من نظم العيش والمعتقدات والعادات والتقاليد وأشكال
. التعبير الفني وعلى الرغم من أن المتحف الإثنوغرافي ، في مفهومه المعاصر ، يمثل مؤسسة حديثة لحفظ الذاكرة الثقافية ودراستها وعرضها ، فإن طبيعة المقتنيات التي يحتضنها تطرح إشكالية تتصل بمكانة الحياة اليومية والثقافة المادية في الكتابة التاريخية. فقد ظلت بعض التصورات التقليدية للتاريخ تمنح الأولوية للأحداث السياسية ومؤسسات السلطة والشخصيات المؤثرة والمصادر المكتوبة ، في حين بقيت تفاصيل الحياة اليومية والممارسات الاجتماعية والثقافة المادية زمنًا طويلاً أقلّ حضورًا في بعض الكتابات التاريخية. ومن هنا تكتسب المجموعات الإثنوغرافية أهميتها ، لأنها تتيح التعامل مع الأشياء والممارسات اليومية بوصفها شواهد يمكن من خلالها توسيع مجال النظر في التاريخ ، ليشمل فئات وتجارب وأنماط عيش لا تكشف عنها المصادر
. التقليدية دائمً ا بالقدر نفسه
باب العقلة...” إثنوغرافية الثقافة المحلية وأفقها الفنّي“
تأسس هذا المتحف في قلب المدينة العتيقة لتطوان عام 1928 تحت اسم المتحف الإثنوغرافي ،” وهو يخضع حاليًّا لإشراف وإدارة المؤسسة الوطنية“ للمتاحف التي تولّت ترميمه وتطويره بالكامل. وقد شهد المتحف محطة تاريخية بارزة عام ، 1948 حيث انتقل رسمياً في 29 يوليو من ذلك العام إلى مقرّه الحالي داخل حصن السقالة التاريخي بباب العقلة ، وهو حصن أثري شُ يّد قرابة عام 1830 في عهد السلطان المولى عبد الرحمن بن هشام ، ليتغيّر دور البناية العسكرية القديمة إلى فضاء متحفي متميز يمنح الزائر فرصة استثنائية
. للتعرف على ذاكرة المدينة ومقوماتها الثقافية
، يعرض المتحف في أروقته تشكيلة واسعة من القلل الفخارية ، الصحون
، الزليج ، قطع النحاس ، الحديد ، الحلي ، والآلات الموسيقية والأواني الخزفية وهي وسائل مادية شكلت تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع التطواني ، مركّزًا على معمار المدينة ، وأزياء نسائها ، وطقوسها الاجتماعية. وتتميز البناية بأبعاد هندسية فريدة ، إذ تزين مدخلها حديقة أندلسية تعكس طرق بناء المنازل في جهة شمال المغرب ، وما تحمله من تصاميم تبرز امتزاج التأثير الأندلسي
. بالتأثيرات المحلية وفي المقابل ، يُظهر أحد أقسام المتحف نزوعًا فكريًّا صوب الاهتمام بالحِرَف التقليدية كشكل من أشكال الفن ، لا بوصفها مجرد ممارسات يومية ، حيث تُقدّم القطع المعروضة من الطرز والجلد والزليج والخزف عصارة تجربة تاريخية قوية تعكتاريخ تطوان. وقد استلهم مجموعة من الفنانين التشكيليين
” اللاحقين هذه المواد المحلية لبناء علاقة بصرية جديدة تضفي طابع“ المغربة على اللوحة المسندية. ويتجلى هذا التوجه بوضوح في تجربة“ جماعة” 65 في
، مدرسة الدار البيضاء ، ولا سيما في التجربة التشكيلية للفنان فريد بلكاهية الذي يُعدّ أحد المجددين الذين فتحوا اللوحة على الاستخدام الوظيفي للمواد
. المحلية في صلب التوليف الجمالي
متحف“ دار سي سعيد” في مراكش... إنتاج الذاكرة المحلّيّة
وعلى غرار شمال المملكة ، يُعدّ متحف“ دار سي سعيد” في مدينة مراكش نموذجًا بارزًا للمتاحف الإثنوغرافية المتمركزة حول المدن التاريخية ، والتي
. توثق لصناعة الفن الإثنوغرافي والذاكرة المحلية تأسست هذه المعلمة في الأصل كمنزل تقليدي في منتصف القرن التاسع عشر من طرف سعيد بن موسى ، الذي كان وزيرًا للحرب في عهد السلطان المولى عبد العزيز. وقد شهدت البناية أحداثًا تاريخية عديدة ، حيث جُعلت مقرًّا لحاكم منطقة مراكش في عهد الحماية الفرنسية ، ثم مقرًّا لإدارة عامة ، قبل أن تستقر على وظيفة“ متحف خاص لورشات الصناعة التقليدية.” ويتميز المنزل بكونه من النماذج الأصيلة التي تبرز هوية البيوت المغربية خلال القرن التاسع عشر عبر عناصر ومواد البناء التي تمنح المعلمة شموخًا وألقًا داخل
. المدينة الحمراء يضمّ المتحف في ردهاته مجموعات غنية من القطع الأثرية والفنية التي
، تعكس تراث مدينة مراكش وتاريخها ، إذ تشمل المعروضات قطع النسيج الزرابي ، الخشب ، المفروشات ، والعملات النقشية وغيرها من المواد الحاضرة في التاريخ اليومي للمدينة. ولا تتوقف أهمية المتحف عند عملية العرض الفني فحسب ، بل يمنح الزائر معلومات دقيقة عن المجموعات الخشبية المتميزة بالنحت والنقوش والخراطة والزخرفة ، وكل ما له صلة بصناعة الخشب التي يعود تاريخ بعض قطعها إلى القرن الثاني عشر الميلادي ، مما
. يساهم في خلق بيئة إثنوغرافية حية ومتكاملة
فضاءات متحفية مكملة
إنّ المتاحف الأخرى التي تأتي في السياق ذاته ، هي على التوالي: متحف الأوداية في الرباط( المتحف الوطني للمصوغات والحلي) الذي تأسس عام
1915 في قلب قصبة الأوداية الأثرية ليوثق لتاريخ الحلي وأدوات الزينة
) المغربية عبر العصور ، ومتحف البطحاء في فاس( متحف الفنون الإسلامية المؤسس في العام نفسه داخل قصر ملكي صيفي يعود للقرن التاسع عشر ليكون الحاضن المرجعي للتراث الفاسي العريق وبخاصة الخزف الأزرق والمنحوتات الخشبية ، ثم متحف القصبة في طنجة( متحف الثقافات المتوسطية) القابع في قصر“ دار المخزن” التاريخي ، والذي يربط البعد الأثري
. لمنطقة شمال المغرب بالحضارات المتوسطية المتعاقبة تظل هذه الشبكة من المتاحف الإثنوغرافية الوطنية أكثر من مجرد مستودعات لحفظ الآثار والقطع الجامدة. إنها مرايا حية تعكس نبوغ الصانع المغربي وثراء تاريخه الاجتماعي. ومن خلال صون هذه المعالم وتجديد وظائفها ، ينجح المغرب في مدّ جسور التواصل بين أصالته التراثية الممتدة
. عبر القرون ، وتطلعاته الفنية والثقافية الحديثة
أشرف الحساني ناقد وباحث مغربي في تاريخ الفن ، يكتب عن الفنون البصرية والسينما والفوتوغرافيا
52 MATAHEF ISSUE 05