Feb - Page 6

الصورة سأخلصهم بواسطتك ‏!!‏ هل ركبت البحر يف هروبك يا يونان ؟ إذن فقد دخلت يف دائرة مشيئتي أيضا ‏..‏ ألنني أملك البحر كام أملك الرب ، كالهام من صنع يدي . وأمواج البحر ومياهه وحيتانه تطيعني أكرث منك كام سرتى ‏!!‏
طاعة املخلوقات غري العاقلة : لقد أخجل الرب يونان النبي بطاعة أهل نينوى ، وبرب أهل السفينة وإميانهم ‏..‏ إال أنه أيضا أخجله بطاعة الجامدات واملخلوقات غري العاقلة . ومن الجميل أننا نرى كل هؤالء يف إرساليات إلهية وىف مهامت رسمية أدوها عىل أكمل وجه وأفضله . فام هي هذه الكائنات غري العاقلة التي كانت عنارص نافعة يف إمتام املشيئة اإللهية ؟ * « فأرسل الرب ريحا شديدة إىل البحر ، فحدث نوء عظيم يف البحر حتى كادت السفينة تنكرس » ( 1 ‏(..‏ 4 : لقد أدت الريح واجبها ، وكانت رسوال من الرب ، قادت الناس إىل الصالة ، فرصخ كل واحد إىل إلهه .
* وكام أدت هذه الريح الشديدة مهمتها يف أول القصة ، كذلك أدت مهمة أخرى يف آخر القصة ، إذ يقول الكتاب : « وحدث عند طلوع الشمس أن الله أعد ريحا رشقية حارة ، فرضبت الشمس عىل رأس يونان فذبل فطلب لنفسه املوت ‏..«‏ ( 4 ‏(.‏ 8 : يف سفر يونان كانت كل هذه الكائنات مطيعة للرب ، الوحيد الذي مل يكن مطيعا هو اإلنسان العاقل ، يونان ‏...‏ الذي منحه الله حرية إرادة ميكنه بها أن يخالفه ‏!..‏ هكذا اإلنسان ، أما باقي الكائنات فال تعرف غري الطاعة . عىل أنه مل يكن كل إنسان غري مطيع يف سفر يونان ، بل كل الناس أطاعوا ، ما عدا يونان ؛ النبى ‏!!‏ ومل يهرب يونان من املهمة إشفاقا عىل نينوى من الهالك ، بل عىل العكس هرب خوفا من أن تبقى املدينة وال تهلك ‏..‏ مل يتشفع فيها كإبراهيم عندما تشفع يف سدوم . بل إنه حزن واغتاظ واغتم غام شديدا ، ورأى أن املوت هو أفضل لنفسه من الحياة ، كل ذلك ألن الله مل يتمم إنذاره ويهلك املدينة ! أراد الله للبحر أن يهيج فهاج ، وأراد له أن يهدأ بعد إلقاء يونان فيه فهدأ ‏..‏ ما أعجب الطبيعة املطيعة التي ال تعىص لله أمرا ، كاإلنسان . وكام أمر الحوت الضخم الكبري ليك ينفذ جزءا من الخطة اإللهية ، كذلك أمر الدودة البسيطة أن ترضب اليقطينة فيبست ‏..‏ ما أعجب هذا ‏..‏ أن نرى حتى الدودة تكون جزءا من العمل اإللهي املقدس الكامل ‏..‏ حقا ما أجمل قول الكتاب : « انظروا ال تحتقروا أحد هؤالء الصغار » متى . ‎10‎ : ‎18‎ ليتنا نأخذ درسا من كل هؤالء وندرك نحن أيضا عمق عبارة « لتكن مشيئتك » يف حياتنا وحياة الناس . هذه العبارة التي فشل يونان يف مامرستها ، ومل يستطع أن يصل إليها إال بعد تجارب كثرية ورصاع مع الله ، وعقوبات ، وإقناعات ‏..‏ أخريا استطاع الله أن يقنعه بخريية املشيئة اإللهية ، مهام كانت مخالفة ملشيئته الذاتية .
بحارة أمميون كانوا أفضل من النبي : ما أعجب أهل هذه السفينة التي ركبها يونان ‏..‏ حقا كانوا أممني ، ومع ذلك كانت لهم فضائل عجيبة فاقوا بها النبي العظيم . وفيهم تحقق قول الرب : « وىل خراف أخر ليست من هذه الحظرية ، ينبغي أن آىت بتلك أيضا فتسمع صويت وتكون رعية واحدة وراع واحد » ( يو ) ‎16‎ : ‎10‎ . يذكرين أهل هذه السفينة بكرنيليوس قائد املائة ، الذي كان يف مظهره رجال أمميا بعيدا عن رعوية الله ، ولكنه كان يف حقيقته رجال تقيا خائفا الله هو وجميع بيته ‏!..‏ لعله تدبري الهي أن ينزل يونان يف هذه السفينة بالذات ، من أجله ومن أجل هذه السفينة ‏..‏ مل يشأ الله أن مييض إىل كورة بعيدة .
فضائل أهل السفينة
* أول صفة جميلة يف بحارة هذه السفينة أنهم كانوا رجال صالة ‏..‏ يقول الكتاب :
« فخاف املالحون ، ورصخوا كل واحد إىل إلهه ، وطرحوا األمتعة التي يف السفينة إىل البحر ليخففوا عنهم » ( 1 ‏(.‏ 5 : نالحظ هنا أنهم لجأوا إىل الله قبل تنفيذهم ما تتطلبه الحكمة البرشية إلنقاذ املوقف . صلوا أوال ثم ألقوا األمتعة ليخففوا عن السفينة ‏..‏ كان كل بحارة السفينة وركابها يصلون ، والوحيد الذي مل يكن يصيل يف ذلك الوقت هو نبي الله يونان ‏!!‏ وحتى بعد أن أيقظوه ، مل يقل الكتاب أنه قام وصىل ! إنه موقف مخجل حقا ‏..‏ عجيب حقا هو الرب إذ يبكت أحد أنبيائه برجل أممي : « مالك نامئا ‏«..‏ ما هذا الكسل والرتاخي والالمباالة ؟!‏ أال تقوم وتصيل كباقي الناس ؟ « قم ارصخ إىل إلهك ، عىس أن يفتكر اإلله فينا فال نهلك ‏«..‏ كيف خالف الله ، وكرس وصيته وهرب منه ، واستطاع أن ينام نوما ثقيال ؟!‏ ال بد أن ضمريه كان قد نام أيضا ، نوما ثقيال ، مثله ‏..‏
* صفة جميلة ثانية نجدها يف أهل السفينة أنهم كانوا يبحثون عن الله ‏..‏ مل يقولوا ليونان يف تعصب لديانتهم « قم ارصخ إىل إلهنا ‏«،‏ وإمنا قالوا له : « قم ارصخ إىل إلهك ، عىس أن يفتكر اإلله فينا فال نهلك ‏«..‏ وهذا يدل عىل أنهم كانوا يبحثون عن الله ‏..‏
* صفة جميلة ثالثة وهى أنهم كانوا رجال بساطة وإميان ‏..‏ مل يكتفوا بالصالة ، وإمنا أيضا ألقوا قرعة ‏..‏ يف تقواهم كانوا يشمئزون من بشاعة الخطية ويشعرون أنها سبب الباليا التي تحيق باإلنسان ‏..‏
* كانوا أيضا أشخاصا عادلني ال يحكمون عىل أحد برسعة ، بل اتصفوا بطول األناة وبالفحص وإرضاء الضمري ‏..‏ أما يونان فاعرتف لهم وقال : « أنا عرباين ، وأنا خائف من الرب إله السامء الذي صنع البحر والرب ، ومبجرد سامعهم ذلك الكالم خافوا خوفا عظيام ‏..‏ هل إلهك يا يونان هو إله البحر والرب ؟ نحن اآلن يف البحر ، إذن فنحن يف يد إلهك أنت ‏..‏ ونحن نريد الوصول إىل الرب ‏..‏ وإلهك هو إله الرب أيضا ، كام هو إله البحر ، إذن فنحن يف يديه ‏!!..‏ لذلك خافوا ووبخوه قائلني : « ملاذا فعلت هذا ؟!«..‏ وللمرة الثانية يبَكَّت النبي العظيم من األمميني . * وكام كان ركاب السفينة عادلني ، كانوا أيضا يف منتهى الرحمة والشفقة : كانوا يوقنون أنه مذنب ويستحق املوت ، ومع ذلك مل يكن سهال عىل هؤالء القوم الرحامء ، أن مييتوا إنسانا حتى لو كان هو السبب يف ضياع متاعهم وأمالكهم وتهديد حياتهم بالخطر ‏..‏ قال لهم يونان : « خذوين واطرحوين يف البحر ، فيسكن البحر عنكم ، ألين عامل أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم ‏«..‏ لقد بذلوا كل جهدهم إلنقاذ الرجل الخاطئ من املوت ، ولكن دون جدوى . كانت مشيئة الرب أن يلقى يونان يف البحر ‏..‏ وهكذا أسقط يف أيديهم ‏..‏ ولكن ليك يريحوا ضامئرهم ، رصخوا إىل الرب وقالوا : « آه يارب ، ال نهلك من أجل نفس هذا الرجل . وال تجعل علينا دما بريئا ، ألنك أنت يارب فعلت كام شئت » وإذ تحققوا أن هذه هي مشيئة الله ، وأنهم ال يستطيعون أن يقفوا ضد مشيئته ، « أخذوا يونان وطرحوه يف البحر ، فوقف البحر عن هيجانه ‏«...‏ * من كل ما سبق يتضح أن هؤالء البحارة كان لهم ضمري حساس نقي ، وأنهم أرادوا بكل حرص أن يقفوا أمام ضمريهم بال لوم .
+ كانت لهؤالء الناس قلوب مستعدة لعمل الله فيها : كانوا يتلمسون إرادة الله لتنفيذها . وملا وقف هيجان البحر بإلقاء يونان فيه ، تأكدوا من وجود الله يف األمر ، فآمنوا بالرب ، وذبحوا له ذبيحة ، ونذروا له نذورا ‏..‏ وىف إميانهم بالرب مل يؤمنوا فقط أنه هو الرب ، وإمنا بتقدميهم للذبيحة أعلنوا أيضا إميانهم بالدم والكفارة ‏!!..‏ وهكذا كسب الله املعركة األوىل ، ومتم خالص أهل السفينة بعصيان يونان ‏..‏ وبقيت يف خطة الله للخالص مسألتان مهمتان أخريان : وهام خالص أهل نينوى ، وخالص يونان نفسه ‏..‏ وهو ما متمه الله بحكمته ومحبته وطول أناته كام ترى عزيزي القارئ من قراءتك لباقي السفر .
6