Feb - Page 5

تأمالت في سفر يونان النبي

إن سفر يونان النبي مملوء بالتأمالت الروحية الجميلة ، نعرض لهذا السفر من الناحية الروحية البحتة وليس من جهة الجدل الالهويت . سبيلنا هو االستفادة وليس النقاش . نريد أن نأخذ من هذا السفر الجميل دروسا نافعة لحياتنا ، نستفيد من عمل الله ، ومن فضائل الناس ، ومن أخطائهم .
وما أجمل ما فعلته الكنيسة إذ اختارت هذا السفر ليكون مقدمة للصوم الكبري ، يسبقه بأسبوعني ، بقصة جميلة للتوبة ، وللصوم حتى نستقبل أيام األربعني املقدسة بقلب نقى ملتصق بالرب . والعجيب أن كثريين من الذين يدرسون سفر يونان ، يركزون عىل أهل نينوى وصومهم وينسون ركاب السفينة ، وينسون يونان النبي ومشكلته . فامذا كانت مشكلة يونان ؟
مشكلة يونان إن الله يف سفر يونان النبي ، يريد أن يعرّفنا حقيقة هامة هي أن األنبياء ليسوا من طبيعة أخرى غري طبيعتنا ، بل هم أشخاص « تحت اآلالم مثلنا » يع ‏..‏ ‎17‎ : 5 لهم ضعفاتهم ولهم نقائصهم وعيوبهم ، ومن املمكن أن يسقطوا كام نسقط . كل ما يف األمر أن نعمة الله عملت فيهم ، وأعطتهم قوة ليست هي قوتهم وإمنا هي قوة الروح القدس العامل يف ضعفهم ، ليك يكون فضل القوة لله وليس لنا كام يقول الرسول ( 2 كو ) 7 : 4 وقد كان يونان النبي من « ضعفاء العامل » الذين اختارهم الرب ليخزي بهم األقوياء ( 1 كو ) ‎27‎ : 1 . كانت له عيوبه ، وكانت له فضائله . وقد اختاره الرب عىل الرغم من عيوبه ، وعمل به ، وعمل فيه ، وعمل معه ‏..‏ وأقامه نبيا قديسا عظيام ال نستحق الرتاب الذي يدوسه بقدميه ؛ ليك يرينا بهذا أيضا أنه ميكن أن يعمل معنا ويستخدم ضعفنا ، كام عمل مع يونان من قبل ‏..‏
سقطات ىف هروب يونان :
سرنى بعضا من ضعف يونان يف موقفه من دعوة الرب ‏..‏ يقول الكتاب : « وصار قول الرب إىل يونان بن أمتاي قائال : قم اذهب إىل نينوى املدينة العظيمة ، ونادِ‏
عليها ، ألنه قد صعد رشهم أمامي . فقام يونان ليخرج إىل ترشيش من وجه الرب ، فنزل إىل يافا ، فوجد سفينة ذاهبة إىل ترشيش ، فدفع أجرتها ، ونزل فيها ليذهب معهم إىل ترشيش من وجه الرب » وهنا نرى يونان النبي وقد سقط يف عدة أخطاء ‏..‏ * كانت السقطة األوىل له هي املخالفة والعصيان : مل يستطع أن يطيع الرب يف هذا األمر ، وهو النبي الذي ليس له عمل سوى أن يدعو الناس إىل طاعة الرب . عندما نقع يف املخالفة ، يجدر بنا أن نشفق عىل املخالفني . واضعني أمامنا قول الرسول : « اذكروا املقيدين كأنكم مقيدون أيضا مثلهم ‏..«‏ ( عب ‏(.‏ 3 : ‎13‎ * عىل أن سقطة املخالفة التي وقع فيها يونان ، كانت
قداسة البابا شنودة الثالث
تخفي وراءها سقطة أخرى أصعب وأشد هي الكربياء ممثلة يف االعتزاز بكلمته ، وترفعه عن أن يقول كلمة وتسقط إىل األرض وال تنفذ ‏..‏ كان اعتزازه بكلمته هو السبب الذي دفعه إىل العصيان ، وحقا إن خطية ميكن أن تقود إىل خطية أخرى ، يف سلسلة متالحمة الحلقات ‏..‏ كان يونان يعلم أن الله رحيم ورؤوف ، وأنه ال بد سيعفو عن هذه املدينة إذا تابت . وهنا سبب املشكلة !
- وماذا يضريك يا يونان يف أن يكون الله رحيام ويعفو ؟
- يضريين اليشء الكثري : سأقول للناس كلمة ، وكلمتي ستنزل إىل األرض ‏!..‏ إىل هذا الحد كان يونان متمركزا حول ذاته ! من يستطع أن ينكر ذاته يف سبيل خالص الناس . كانت هيبته وكرامته وكلمته ، أهم عنده من خالص مدينة بأكملها ‏..!‏ كان ال مانع عنده من أن يعمل مع الرب ، عىل رشط أن يحافظ له الرب عىل كرامته وعىل هيبة كلمته ‏..‏ من أجل هذا هرب من وجه الرب ، ومل يقبل القيام بتلك املهمة التي تهز كربياءه ‏..‏ وكان رصيحا مع الرب يف كشف ما بداخل القلب ، إذ قال لله فيام بعد عندما عاتبه : * وكان هرب يونان من وجه الرب يحمل يف ثناياه خطية أخرى هي الجهل وعدم اإلميان ‏..‏ هذا الذي يهرب من الرب ، إىل أين يهرب ، والرب موجود يف كل مكان ؟!‏ صدق داود النبي حينام قال للرب : « أين أذهب من روحك ؟ ومن وجهك أين أهرب ؟..‏ ( مز – 7 : ‎139‎ ‎10‎ ‏(..‏ أما يونان فكان مثل جده آدم الذي ظن أنه يختفي من وجه الرب وراء الشجر ‏..‏ حقا إن الخطية تطفئ يف اإلنسان نور املعرفة ، وتنسيه حتى البديهيات ! وجد يونان يف يافا سفينة ذاهبة إىل ترشيش ، فدفع أجرتها ، ونزل فيها ‏..‏ العجيب أن الخطيئة كلفته ماال وجهدا . دفع أجرة للسفينة ليكمل خطيته ‏..‏ أما النعمة فننالها مجانا ‏..‏ عندما دفع يونان أجرة السفينة خرس خسارة مزدوجة : خرس ماله ، وخرس أيضا طاعته ونقاوته ‏..‏ العجيب أن الله استخدم عصيان يونان للخري . حقا إن الله ميكنه أن يستخدم كل يشء ملجد اسمه ‏..‏ الله يستخدم الكل ‏!!‏ لقد عىص يونان أمر الرب ، وهرب راكبا السفينة ، ولكن الله الذي « يخرج من اآلكل أكال ومن الجايف حالوة » ( قض ‏(،‏ ‎14‎ : ‎14‎ الله الذي يستطيع أن يحول الرش إىل خري ، استطاع أيضا أن يستخدم عصيان يونان ‏..‏ إن كان بسبب طاعة يونان ميكن أن يخلص أهل نينوى ، فإنه بعصيان يونان ميكن أن يخلص أهل السفينة ‏!!..‏ وكأن الله يقول له : هل تظن يا يونان أنك قد هربت مني ؟ كال . أنا سأرسلك إىل ركاب السفينة ، ليس كنبي ، وال كمبرش ، وال كصوت صارخ يدعو الناس إىل التوبة ، وإمنا كمذنب وخاطئ وسبب إشكال وتعب لآلخرين ، وبهذه
5