دراسات
استعادة املاضي خلدمة احلاضر
مقدمة
يتجه كثري من املهتمني يف املجاالت الفكرية والسياسية والثقافية يف املنطقة العربية نحو مواجهة الواقع
الصعب الذي متر به هذه املنطقة، ومحاولة إيجاد حلول متكّن املجتمعات من الخروج من األزمات الحالية، إال
أن مساعي البعض أحياناً ما تعاين من بعض املغالطات التي تستحق الوقوف عندها وتسليط الضوء عليها، وال
شك أن طريقة التعاطي مع التاريخ هي من إحدى املشاكل التي تتحول أحيانا إىل أزمات حقيقية. تتقاطع الكثري
من املحاوالت الباحثة عن حلول للواقع الراهن، يف سعيها لالستعانة باملايض يف سبيل مواجهة مشاكل الحارض.
وهذا ال يقترص فقط عىل بعض االتجاهات الدينية عموماً، علامً أن التيارات الفكرية اإلسالمية التي وجدت الحل
يف العودة للاميض هي ال متثل ظاهرة جديدة اليوم، بل، قد ظهرت يف أواخر القرن التاسع عرش، من خالل فكر
التجديد واإلصالح الذي ظهر مع بعض املفكرين اإلسالميني مثل محمد عبده ورشيد رضا اللذان أرادا أن يقدما حالً
لحال األمة، خصوصاً بعد أن اطلعوا عىل حداثة الغرب، إذ تلخصت استجابتهم لذلك الواقع بالوصول إىل نتيجة
مفادها أن الحل يتمثل يف العودة إىل املجتمع اإلسالمي األول (حوراين، 7791).
تظهر عملية اسرتجاع التاريخ يف الكثري من االتجاهات التي تنحو نحو تذكر حقبة أو شخصية أو حدث معني
من املايض ومحاولة تطويعه بحيث يبدو وكأنه املالذ الذي يجب اللجوء إليه تجنباً ملا مير من صعوبات ومشاكل
يف الزمن الحارض، ويف هذه الحالة فإن الحارض يبدو وكأنه جزء يشكل امتدادا ً طبيعياً للاميض يأخذ منه سامته
األساسية يف عملية تشبه عملية انتقال الجينات الوراثية، فإن واجهتنا مشكلة يف زمن ما فإن العالج إمنا يتمثل
بالقدرة عىل عزل الجينات املرغوب بها.
هذا ما يصفه الدكتور عزيز العظمة بالفهم العضواين للتاريخ (العظمة، 7891). وتنطوي هذه املقاربة يف فهم
التاريخ عىل أن يتم فرز األحداث التاريخية إىل نوعني؛ النوع األول هو التاريخ ‘األصيل’ الذي يشكل منوذجاً مثالياً
ينبغي اتباعه دامئا، والنوع الثاين هو التاريخ ‘الدخيل’ الذي يجب تجنبه والحذر منه أو حتى محاربته للحفاظ
عىل صفاء ونقاء الحارض واملستقبل.
49
العدد 0
أيار / مايو ـ 4102